ذاكرة مفقودة

 

 dc05224e633a13caebdbceb2bfbed0aa_lm

أخاديدٌ قديمة.. تجتثني

أغوصُ إلى الخلف، أسقط

تلفظني.. فقاعة الصمت!

ينفتق.. فتقٌ في قلبي

أفيق.. وكلي مُتناثر!

بعيداً جداً عن نفسي

أين أنا؟

جزءٌ من الذاكرة؛ مفقود.

••

  • “آه، ولم أخبرك عن جدول الامتحانات، هو ليس جيداً، بل ليس عقلانياً على الإطلاق، أنت لا تعلم قدر الاختلاف بين …. “

هل بدأت الأشجار تتحدث؟ أو تصرخ الرياح أيضاً؟ وكأن الضجيج يتحول إلى وحشٍ هادئ يُصدر هدير خافت، يؤذن في القلبِ أن الموت قد طاله. قد بات يتربص به، يُحدّق فيه بوقاحة.

  • “أ تعلم؟ يبدو أن أبي يشتاقُ إليك كثيراً، إنه حتى يُناديني باسمك أحياناً، أتتخيل أن يكون نادماً؟”

هل هناك أمواتٌ على قيدِ الحياة؟ يا تُرى في هذا اليوم.. كم ماتت نفسٌ ما زالت تتنفس؟ ماتت.. وهي على قيدِ الحياة!

ما هو اليوم؟ أعتقد أنه السبت، الجو بارد، لذلك القهوة قد بردت سريعاً، رفعتُ نظري إليه، فوجدتُ عينيه تُحدقان بي، وهو يهتف بضجر:

  • “أنت لست معي، أليس كذلك؟”
  • “قهوتك”
  • “ما بها؟” تساءل وهو ينظر إليها.
  • “بردت”

بقيت عينيه مُحدقةً فيَّ عدة دقائق كالذي فقد حيلته من شخصٍ ما، ثم رمى عليّ الورقة التي كان يلهو بها وهو يتذمر، وولّى عني بعد أن قال: “أيها السخيف”.

سخيف؟ إنها شتيمةً مألوفة! لكنني لا أتذكر من أين كنت أتلقاها، وممن. لكنها كما أعتقد.. أخفُ وطأةً من كل السباب الذي كان يُوجه لي، وكما أشعر.

وقفت، تبعتُ شقيقي الأصغر، لقد جاء لأجلي مسافةً طويلة، يتوجب علي العناء قليلاً، على الأقل.. الحفاظ على هذا الجزء من الذاكرة، لئلا تذهب مشقته هباءً، لئلا أموت هدراً.

••

ورقٌ مُتناثر، البعضُ هُنا.. والبعض الآخر هُناك، إن أخي عمر فوضويٌّ بعكسي، هل كان يُحب الكتابة؟ أو كانت رسائل! لا أتذكر أنه يميل لذلك، الكتابة تعني العاطفة، تعني البُكاء، لكنني لم أراه قط يتأمل بعُمق، ما الرابط؟ الذين يكتبون عادةً ما يحبذون التأمل .. وكثيراً، لذلك هم مملون حينما تجلس معهم، البعض منهم أظن، مثلي.

جلستُ على الأرض أُخرب على الفوضى جنونها، وأُسكت هذا الكائن المُستفز في داخلي، وأرقب كل انحناءٍ في الورق، كما الذي يُريد أن يبعث في الورق.. الحياة.

الدلائل من حولي تُؤكد أن هناك من شاركني غرفتي عن قريب، لكن قلبي لا يبدو أنه تغير، الأغبرة المتراكمة عليه تجعله نسياً منسياً، لكن ما وضع هذا الورق؟

على أخر ورقةٍ سرقني فضولي ودفعني لكَويّ انعطافاتِها، ثم لم أجد سوى عدة نقاط! توجهتُ للسلة فتشت غيرها من الورق، رُبما كان الفراغ يُحركني! وجدت إحداها تمتلئ ببعض المخربشات الناقمة، وأخرى اسمي منحوتاً بغضب وعليه حبالٌ تشنقه! مما دفعني إلى الضحك، حتى سقطت، وسقطت معيّ السلة واكتسحت الفوضى غُرفتي من جديد.

ما بالُ الكائن المُستفز في داخلي.. قد نام هادئاً الآن؟

  • ••
  • “أخبرني رأيك بصدق، لقد كتبتها بالأمس”
  • “هي جيدة.. لكنها تفتقر للمرونة، والبلاغة”

أنزل ورقته، وتمعرت ملامحه بالاستياء، وزميلاً بجانبه هرع إليّ وهو يسخر من الأول، ثم قال بعد أن فرغ من ضحكه العالي: “أ تعلم إبراهيم؟ أشعر وكأن هناك الكثير من الأسرارِ في داخلك، يُحدثني فضولي أنني سأجد شيئاً منها ممتعاً!”

ابتسمتُ بصمت، فقال آخرٌ يبعد عنا مترين: “نعم، إنني أعرفه جيداً، قلبه يقطن في بحيرة مليئةً بالأسماك المفترسة، والتي تأكل قلبه! تقيئها يا إبراهيم، وارتح منها”

ضحك الجميع، ومن ثم جاء أحدٌ بشيءٍ أكثر تسليةٍ من “أسراري” .. فهرعوا جميعاً نحوه، تاركيني في الخلف.

ماذا قالوا؟

يعرفونني جيداً!

يا للفكاهة.

رُبما أنا.. لم أمت بعد، فإن مثل هذه التصرفات التافهة ما زالت توقظ كائني المُستفز من داخلي.

••

فتحتُ النافذة على مصراعيها، فتهاتف غناءُ العصافير إلى نافذة قلبي ليفتحها. لديّ فراغاتٍ شتى بداخلي، سدّها أُكسجين الصباح الداخل إلى رئتيّ. برودة بداية الصباح أرعشتني، ارتديتُ معطفاً متيناً، فدفئتُ جسدي.. لكن من يُدفئ قلبي؟

حملتُ كتبي إلى مكانٍ قصي، إلى حيثُ لا أحد، كما أعيشُ في داخلي تماماً، جلستُ في المكانِ الساحر، الذي يُرتبني، يُصنف قائمة أمنياتي، ويودع في قلبي بعضاً من الحُب.

قائمة أمنياتي؟ وهل لدي أُمنيات! إنها أمنيةً واحدة فحسب، أن أعيش بهدوء، كان قراري الوحيد الذي اتخذته منذ أربع سنوات، ألا يُضايقني أحد. أيُ حب؟ لا أتذكر أن شيئاً من ذلك ضمن حياتي قد وُلد، لا أتذكر حافزاً لذلك استمر معيّ أو بدأ، الحب؟ هو ذاته من جعلني هشاً لا أملك يدين تدفع التيار عني.

ورُبما كان هو ذات المشاعر، تلك التي تجعلني أشعر.. وكأنني نسيتُ شيئاً!

أمسكتُ بأحدِ الكتب، فسقطت من بينِ دفتيه، ورقة.. منذ متى أحشر الورق بين صفحات الكتب؟

حملتها، لقد كانت تحملُ كتابةً ما، قرأت:

[ يقول جورج سانتايانا: أولئك الذين لا يتذكرون ماضيهم مكتوب عليهم أن يعيدوه. ]

من كتبه؟ أنا؟ رُبما كان أخي الأصغر عمر بدافعٍ خفي!

وهل أملك شيئاً.. حتى يتوجب عليّ ألا أنساه؟

أمن الممكن أن يتمكن الماضي.. من العودة.. بكل ما فيه!!

أما الآن..

فالكائن المُستفز من داخلي.. بات مشوشاً.

••

تشويشٌ في رأسه، رغم الأجواء الباردة لكنه يشعر بالحر يضطمر في داخله!

حمل كتبه، وقف، سقط كتاب.. نزل ليحمله، فسقطت بقية الكتب.. تنفس بصعوبة، الأنوار بدأت تُشعره بالاستياء!

الكتب الطريحة على الأرض، العشب الذي غطى أقلامه، معطفه الثقيل، الهدوء الذي بات حبلاً يشدُّ ضجيج عقله، ليُغطي رؤيته!

أصواتٌ شتى.. تأتيه من كل مكان..

“أنت تُدهشني في مدى قمة فشلك!”

” لم أرى مثلك ابناً عاقاً”

“لا تُرني وجهك مُجدداً”

صرخ، هذه الأشياء تكادُ تقتلع قلبه، رُغم أنه لا يتذكر دونها شيء! هزّ رأسه يمنةً ويسرى بغضبِ الصياد الذي رفع سنارته فلم يجد سوى حذاءٍ قديم.. لا يتعرف عليه، أو رُبما.. كان ينتمي إليه.

هرع إلى شقته، الكائنة بقرب جامعته التي يدرس فيها في هذا البلد البعيد، الذي دفعه بعيداً عن كل شيء، عن كل الأشياء التي لا يتذكر عنها شيئاً! لقد أبعدت جسده، عقله، محلّه ومهجعه .. إلا قلبه، بقيّ هُناك.. حيث الفراغ الذي نسيَّ ما يكون؟

قبل أن يتجه إلى شقته، عطف على عيادةٍ صغيرة كان يطمئن إلى طبيبها الذي كشف عليه بدون تأخير. ثم سأله: “أين تشعر بالألم يا إبراهيم؟”

  • “في كل أنحاء جسدي”

عاينه قليلاً، ثم فحص عضلاته، وأجرى عليه بعض التشخيصات، ثم قال: “إنك لا تشكو من علّةٍ يا إبراهيم”.

  • “ولكنني أتألم!”
  • “إنه قلبك”.
  • “قلبي بخير”.
  • “أتمنى ذلك”. قالها بابتسامة، قبل أن يعود إلى أوراقه وينشغل بها.

تمتم في نفسه.. “ألا يوجد كلامٌ يُضيفه؟ أبات طبيبي الممتاز.. ضعيف النظر، إنني أشعر جيداً بأن داخلي مُهشم، يُخيل إليَّ أنني بحاجة لعدة عملياتٍ جراحية!”

••

“ليس من شيء يثبت شيئاً ما في الذاكرة مثل الرغبة في نسيانه”

ميشيل دي مونتين.

••

خرجتُ مُبكراً كعادتي كل صباح، لعلّ التبكير يزيدُ من كمية الذكريات التي سأجمعُها مُجدداً كي تملئ مساحات ذاكرتي القديمة.. الفارغة إلا من بعض الأسماء، أزرعُ ذكرى.. تليها ذكرى، وذكرى.. حتى أُصاب بالتُخمة، إذا ما شعرت وكأنني اُوشك على التقيؤ، نعم.. إنني أحلم، بطريقتي الخاصة في الهروب.

يسيران بجانبي فتاتان، فتصرخ إحداهُن على حينِ غرة: “أُنظري.. يا إلهي!”

تابعتُ محادثتهما بانتباهٍ وأنا أسير حذوهما.. تخيلت أن أصبعها قد قُطع! التفتُ عليهما فأجدُ أن صاحبتها قد انفعلت مثلها، وهي تُجيبها: “أظافرك تتكسر مُجدداً، ماذا ستفعلين؟”

كم هو العالم صغير.. بقدر الظفر، لا بل أصغر، ابتسمت، ملتفتاً عنهما.. مُرخياً سمعي، أرقب محادثاتٍ من حولي أكثر صغراً من هذه، أريدُ بذلك حساب مساحة العالم.. الحقيقية.

شابٌ في اُذنيه سماعتيه، يصرخ بجانبه صاحبه.. ليسمعه: “أما زال لديك مُتسع من الوقت للذهاب معي؟”

فيجيبه صاحبه، رافعاً صوته، من غير أن يخلع سماعتيه: “ماذا قلت؟”

يُكرر صاحبه سؤاله بصرخةٍ أعلى، فيجيبه صاحب السماعات، ويكملانِ أحاديثهما بالصراخ، من غير أن يُزيل الأول سماعاته، أو يُخفض صوتها.

أطلقتُ ضحكةً خفيفة، وأنا أتخيل حالي المشابه، إنني أملئُ أُذنيّ بصوتِ الأحلام، وشعوري يؤكد لي أن ما وراء الأحلام.. حقيقةً مُهمة قد نسيتها.

مُسنانِ أمامي يسيران، منهمكان بغُمرة أحاديثهما، العجوز تتكئ على كتفِ مُسنها، وهي تُشير برأسها مجيبةً: “حقاً نسيتُ ذلك بالكلية”. وتضحك، يُبادلها الضحك.. ثم يقول بغمزة: “أنتِ لم تنسين.. بل تناسيتِ!”

أما الآن فقد توقفتُ مكاني، شارداً بفكري، كأن حديثه توجه إليَّ مُباشرةً، وتسلل إلى ذاكرتي المُخبأة بين أطنانِ من الكائنات الجبانة، والخلايا الخائفة، القلقة، الهاربة والمتصاغرة، يا تُرى.. هل تناسيت حتى عوقبت بالنسيان؟

صوت الحافلة، أيقظ شرودي، فلحقتُ بالزحام، وحشرتُ جسدي بينهم.

النظر من نوافذ الحافلة، كافٍ لأن يكون نزهةً ترويحية، بل أعني مشاهدة الناس.. وتأمل تصرفاتهم من الجانب، أعتقد أنه كفيل بالترفيه عن النفس، وإعادة هيكلة تفكيرها وقراراتها الفاشلة.

فبعدما كنت أضع مسافةً بيني وبين أيُ متكلم، وقايةً من أي فيروسات وبائية كلامية، تصرفيه، أو مرضية من الممكن أن يُعديني بها إن اقتربت، وجدت أن المسافات القصيرة بيننا وبين الآخرين تحبس عنا أحياناً أشعة الشمس المؤذية، تُظلل أمانينا حتى لا تذوب فينا، وتحفظ قلوبنا من أن تُسرق.

على خلافِ هؤلاء السائرون الثنائيون والأصحاب، كان ضِعفهم.. بل أكثر من ذلك بكثير.. يسيرُ منهم الفرد وحيداً، يركب وحيداً، يعيش وحيداً، أما منظرهم حينما أقترب منهم لم يكن يبعث فيَّ أي تأثر كما يفعل ذلك المتصاحبون، أو العائلات كما يحدث كثيراً في بلدي، فهناك من النادر أن ترى شخصاً يسير وحيداً، من النادر أن تجد مثل هذا الهدوء! فقد كان الضجيج ينبعث من كلِ مكانٍ وجهة، أطفالاً، شباباً ومسنون. الجميع يبدون في وطني البعيد.. سعداء على خلاف ما تجد ظاهرهم من شجارٍ أو شقاء.

وهُنا، تجد نصف الشعب يسير، النصفُ الثاني يركب الحافلات، ومن النادر أن تجد من يركب بالراكبات الخاصة، بخلافِ الناس في وطني.. القليل.. بل أقلُ القليل تجدهم يسيرون على أقدامهم، ممارسة المشي قلّت، بسبب حرارة الأجواء فيه، بُعد المسافات، وعدم توفر الحافلات.

  • “تباً لك، غادر وحسب، لا تُعلم الصغير تصرفاتك السيئة”
  • “هل من المعقول أن يُعلمه والده شيئاً سيئاً؟ يبدو أنكِ بدأتِ تتوهمين”
  • “لأنك في الحقيقة.. لا تدرك ما تفعل! منذ عرفتك كنت فاشلاً ولا زلت”

غيبني هذا الحوار الذي بجواري عن العالم الذي كنتُ أهيم فيه، جعل طاقتي في سُباتٍ قديم، وخض هدوئي.. يبدو أن هناك رابطاً قوياً بيني وبين الفشل.. حتى تُحركني هذه الكلمة كيفما سمعتها، وأينما قيلت، رُبما لتوقفي عن الدراسة سنتين كاملتين علاقةٌ بذلك! الكائن المُستفز بداخلي بدأ يتوجسُ خيفةً من مجرد الذِكرى، لقد كنت أعود للوراء.. أتزعزع، حتى أصطدم بي رجلاً من الخلف، وهو يتضجر مني، يُطالبني بالنزول.. الحافلة قد توقفت.

يا تُرى لمَ ننصت إلى أحاديث الآخرين.. في حين أنها تؤذينا، توجع طمأنينتنا، كنت بخير، حتى أصبحت أتنقل في أعين الناس، أنظر عن كثب إلى حيث أعماقهم، وأرى أصواتهم في قلبي. لم أتخيل أن للأصوات ألوان.. حتى بتُ أُزجي إليها رؤيتي، مُغلقاً العينين.

كيف يمكن للذاكرة النائمة أن تفتح عينيها إذا ما تدفق إليها صوتاً لا تعرفه، لكنها تعي جيداً ما يقول؟ تعي جيداً رطوبة المشاعر التي تخلف هذا الحديث.

  • أتحاول عكس تأثير فشلك على هؤلاء الأطفال الآن؟ أو أنك تحاول جعل منهم نسخاً منك؟”

يا إلهي، عدتُ لأرى صوته مجدداً بين الأصوات المختلطة في قلبي هذه اللحظة، أغلقت أُذنيّ؛ علّه يخفت، حتى يختفي ولا أسمعه، أغلقت عيني أيضاً.. لئلا أراه، لأكف عن رؤية الأصوات!

الصوت بحدِّ ذاتهِ.. هو من ألمني لا الكلمات، الصوت الذي رعاني منذ كنت صغيراً، ولأنه ذات الصوت.. الذي أذن في أُذني، حين جئته وليداً صغيراً، وأخذني بين يديه.

عادةً حينما نتألم؛ ذلك بسبب عودة جُزءًا من الذاكرة، مع مشاعر مُرفقة.. هشة، وأدناها قبل أن تموت، فأحيتها الذكريات، وأعادتها حيثُ كانت، في تمام الوقت، والزمان.. شدتنا هناك. الذكريات الشيء الوحيد الذي لا نستطيع التخلي عنها مهما فعلنا، المكان الفارغ منها لا يُمكن أن يُملأ بغيرها.

••

بريدٌ وصلني، كان ظرفاً كبيراً.. ارتشفتُ كوب القهوة الساخن.. لذعنني فتركته وفتحتُ الظرف.. ما الذي يا تُرى يرسله لي والدي بعد كل هذه الأعوام؟ لم يكن يرسل لي شيئاً إلا مصروفاً بسيطاً بين الفينةِ والأُخرى!

أخرجتُ ما فيه بعجلة، وأنا أقهقه بسخرية.. ما الشيء الذي تعنى لأجله حتى يُرسله لي؟ كيف له أن يتذكرني حتى إلى الآن؟ لقد مرَّت أكثر من أربع سنوات! حتى هذه اللحظة هو لم يُرسل لي شيئاً غير مهماً، فكيف بأن يأتيني فجأةً بمرسلٍ مُهم؟ إنه بالكاد يتذكرني!

أم أن الملل أصابه أخيراً بدون وجود السبب الذي يجعله يصرخ في وجهي، ويُمارس فيَّ انتقاده اللاذع! أغلقتُ عينيَّ.. كلا، كلا يا إبراهيم، لا يتوجب عليك بعد كل هذا العمر أن تُطلق العنانِ لفكرك السلبي أن يُسيطر عليك، ألا يكفيك هذه الهجرة؟ ما كان سببها؟ ألم يكن لأجل إتمام برّك وتخليص والدك من عُقدتك؟ ألم تهرب حتى لا تتفكك أمامه؟ حتى لا تنصهر عليه؟ لقد أنقذت علاقتك به بهذه الهجرة، أليس كذلك؟ أو رُبما كنت قد.. أنقذت نفسك فحسب!

فتحتُ عينيَّ أخيراً.. سحبت الورق من داخل الظرف، لقد كان متيناً، يبدو وكأنه… شهادات؟ أبي.. ما تفعل بي الآن؟ أهذا ما يُسمونه ترميم الماضي؟ أو إصلاح ما هُدم! رُبما أنك تحاول إعطائي حقنة مُهدئة؟ لا أعلم حقاً.. أبي ما الذي تُفكر فيه؟

لم أنتبه أن أدمعي حينها.. بللت شهادات إخوتي الصغار.. المتفوقة. أما عن القهوة فقد باتت باردة، وكائني المُستفز، ينظر إليَّ عن كثبٍ وقلق.

••

  • “لقد كان مُجرد توبيخ”.
  • “كلا، أنت لا تستطيع الحكم من مجرد كلمتين أخبرتك بها!”
  • “ذلك صحيح، أنا لا أستطيع الحكم على ملابسات القضية من مجرد سردك لها، فأنا لستُ مُلماً بظروفك النفسية حينها، ولا الضغوط غير تلك القضية التي كانت تُحيط بك، أيضاً أنا خبرتي لا تحمّل بين أحشائِها جنين المشاعر ذاتها التي تمتلكها أنت، لكلٍ منا مشاعره الخاصة، ولكلٍ قدرة تحمّله التي لا تُشابه سواه، وأعتقد أنني لا أستطيع مساعدتك، لكنني على الأقل.. أشعر أنك محظوظ”.

ضحكت علّه يكفُ عن رمي هذه النُكات، ويكتفي، محظوظ؟ كيف من الممكن للإنسان أن يكون محظوظاً حينما تُقابل أخطاءه العادية.. بالطرد من حياةِ الذين يُحبهم؟ بالطرد غير المباشر.. الرميَّ بالنقاط السلبية، قتل الشعور بالذات! وممن؟ من والده!

  • “كيف من الممكن أن يكون الإنسان محظوظاً يا محمود؟”
  • “أن تملك شخصاً.. تستطيع التجاوز عن أخطاءه”.
  • ••

الأربعاء، 5.14 عصراً، قبل أربع سنوات:

  • “من الجيد لك أن تُتابع ما تتعلمه في الصباح، وتدرسه جيداً”
  • “ألسنا ندرس في المدرسة؟”
  • “بإمكاننا أن نُسمي ما تفعلونه هناك.. تلقي للعلم لا أقل ولا أكثر؛ مما يجعلكم بحاجة إلى دراسته وتثبيته في جعبتكم بعد العودة إلى المنزل”
  • “لماذا؟ هل يطير العلم!؟”

ضحكتُ من تعبيره البريء. فعبس مُـتسائلاً: “أقلت نكتة؟ لماذا تضحك!!”

حركتُ يديَّ نافياً، قبل أن أتمالك نفسي وأهدأ.. ثم أعود لإجابته مُداعباً: “معك حق يا أحمد، للعلم أجنحةً كبيرة، إن لم تنتف ريشها.. سوف تُحلق بعيداً عنك، وتبقى جاهلاً!”

  • “تباً.. حتى بعد الذهاب للمدرسة.. هناك احتمالٌ إذاَ أن أبقى جاهلاً”

تابعته جيداً، لقد كان متململاً لكنه مع ذلك يُحاول الاستذكار، عدتُ للبحث عن فهد.. تنهدتُ طويلاً، ما زال مُثابراً في تضييع الوقت، وبعد أن مزق دفتره بالأمس، ها هو اليوم يُحاول التخريب على مدارسة أحمد، ظللت أراقبه لقد كان يقترب من دفترِ أخيه محاولاً سحبه من بين يديه، يا إلهي.. يومياً على هذا الكفاح! إنه لا يتعظ أبداً، وإن ضربته فإن ذلك سيُشعل النار في جوفِ والدتهما.. امرأة أبي، التي حلّت محل والدتي المُتوفاة، عجلتُ إليه حتى أمسكت يده بخشونة وأبعدته قبل أن يُضيع مجهود أخيه، لكنه لم يتوقف حينها، لقد كافح مطولاً حتى يفعل ما يريد، وقد ازددت مع كل محاولةً له خشونةً وغضب، لكنني أبداً لم أمسه ضرباً ولا تقريع! لقد اكتفيت بتكتيفه. لكنني حالما تذكرتُ دخول أمه بالأمس علينا ونحن في مثل هذه الحالة، وصراخها ثم غضب والدي.. تركته.. لكنه ما إن فلته إلا وقد هجم علي وضربني على جميع أنحاء وجهي، فركلته بعيداً عني، ثم أخذ يبكي ويصرخ.

  • “ما الذي يجري هنا؟”

آه، إنه والدي بدونها، لقد تنهدتُ بارتياح.. سوف أشرحُ له مُعتذراً كل ما حدث. لكن من المخيب للآمال أن يدخل في مثل هذا اللحظة بالذات!

  • “لقد ضربه وركله بشدة يا أبي، إن إبراهيم مخيف”

التفتُ مبهوتاً إلى أحمد، إنه يكذب! ما الذي يجري؟ يبدو وكأن أمه قد لقنته درساً خاصاً! فهد أخذ يتلوى ويصرخ، وأنا.. كما ذلك الأطرش تماماً، لا يعلم ما الذي فعله؟ وما الذي يتوجب عليه شرحه الآن!

  • “أتحاول عكس تأثير فشلك على هؤلاء الأطفال الآن؟”

التفتُ إلى أبي مصعوقاً، لم أعرف كيف أُجيب.. ما الذي يفكر فيه؟ ما الذي يجعله يحسبني كذلك!

  • “لقد فشلت في دراستك، وعجزت عن مُتابعتها، وها أنت حينما أعطيتك الفرصة لإصلاح أخطاءك، وتدارك بعضاً من ثقتي التي فقدتها فيك، وخيبت فيَّ رجائي، أُتحاول مجدداً جعل منهم نسخاً منك؟”

تأتأت الحروف بين شفتي، نظرتُ إلى عينيه بحثاً عن قلبه.. علَّني أجد شيئاً منه، أأنت يا أبي.. محشواً بالأفكار السلبية عني؟ أم أنك تظنني حقيقةً ورجاءً.. كذلك!؟

  • “لكنك بالتالي.. أخفقت في فرصتك الأخيرة، وظللت تُدهشني في مدى قمة فشلك، وعنجهية سلوكك الحيوانيَّ”.
  • “أبي.. انتظر قليلاً.. سوف أشـ…”
  • “لم أرى مثلك ابناً عاقاً، وفاشلاً.. لا يأبه بعدد الخيبات التي يُلحقها بوالده”

لقد لمحتُ زوجته، تقف خلف الباب تنظر، صغاره.. لا أعلم أيُ رهبةٍ حلّت بهم حتى يتوقفون ويُنصتون بصمت على حديثنا.. حديث؟ هل يُسمى هذا حديث!

  • “أُغرب عن وجهي.. اذهب إلى حيثُ تشاء ولا تُرني وجهك مُجدداً!”

من السُخفِ أن نظن أن شيئاً تافهاً قد لا يترك شرخاً عظيماً في علاقاتنا بالآخرين، بالأخص منهم المقربين، فكلما كان الشخص أقربُ إليك، كان ذلك وباءً على جميع أخطاءك معه، لأنه سيكونُ مُباشراً، أكثر وضوحاً، جدية، ولأنك حينها يتوجبُ عليك أن تتقمص دور الوفاء بكل براعة، وبهاءً. إن القُرب عادةً يُطالبك بالمزيد، والكثير من الشقاء.

••

من الغرابة..

ألا نتذكر من الماضي

سوى.. زاويته المظلمة،

حرارة مساحته الضيقة

الشقوق التي أدمتنا ليالٍ طويلة

وأعيُنهم الغاضبة..

أيضاً.. لون الصوت الذي تقيئوه.

••

الأحد، 8 صباحاً، في مثلِ هذا الوقت:

مجددًا، شقيقي من والدتي المُتوفاة عُمر الذي يصغُرني بسنة، يُرسل إليّ تذاكر جديدة علّني أعود ولو في هذه الإجازة، وعلى النقيض مما أفعل عادةً من تمزيق تذاكره.. لم أفعل في هذه المرة سوى تركها على المنضدة، أعتقد أن موعدها اليوم!

من السيء أنه حال عودة بعض الذكريات الموجعة، يعود معها الحنين، الأرق، ونتذكر.. كم كُنا نُحبهم، ولا زلنا، ومن العجيب، أننا نستطيع قطع أواصرنا بأيَّ فردٍ عرفناه، إلا من شاركناه طعامنا يوماً، نومنا وضحكنا، أولئك الذين زرعوا بأيديهم الحُب في داخلنا، ورعوه بسقائهم.. وقود عنايتهم القديمة، ولو كانت يوماً واحداً.

التفتُ إلى جُدران غُرفتي المتواضعة، ما نحنُ بدون مساعدة الآخرين؟ لو أن خالي لم يُساعدني لما استطعت السفر، ولا الحظي بكل هاته الشهادات بعد متابعة دراستي بهذا الشكل المُكثف.. في الحقيقة.. لم تنشأ فيَّ كل هذه العزيمة إلا مُحاولةً لإشباع عقدة النقص التي أنبتها في قلبي، لا غير ذلك.. إنني حتى لم أُحاول أن اُريه أيِّ من مجهوداتي، وكفاحي.

لو أن جميع إنجازاتِنا تظهر على صفحاتِ وجوهنا، لهونت لنا الكثير من المشاق.. حالما نحتاجُ ذلك! رُغم أنه لو حدث هذا في الماضي لبدوتُ صغيراً جداً، أعتقد بأن لكلِ شخصٍ ماضٍ مُخزي إن كان في شخصهِ أو مع الآخرين، لكن الأعجوبة أن يخلُق صاحب الماضي القبيح.. مُستقبلاً مُشرق وجميل. لكن.. ما الجميل في المستقبل المشرق إن عشته وحيداً؟

عدتُ للنظر في التذاكر، اقتربتُ منها، حملتُها بين يديَّ ولا أعلم ما صنعت بعد ذلك حتى وجدتني على مقعدي في الطائرة.. العائدة إلى بلدي.. وكائني المُستفز؛ في سُباتٍ عظيم.

الجزء الذي فقدته من ذاكرتي.. لقد كان الأهم، هو ذاته، الحاجز الشاهق الذي قوّى ساقاي على القفز عالياً، لذلك أنا ممتنٌ له.

وفي الحقيقة.. من الممكن أن تتحول ذكرياتنا إلى جحيم، إن تركناها بلا نُقطة نهاية، ثم إن البدايات الجديدة لا تُبتدأ بعد النهايات المفتوحة.. ومن السخافة ألا نُلبي نداء أحد والدينا إن هتف باسمنا ولو مرةً في العمر.

عدتُ للنظر إلى خلف شهادات إخوتي الصغار، المُرسلة من والدي.. لقد كانت هُناك ورقةً صغيرة:

[ هلّا أتيت؟ لنحتفل معاً بنجاح طُلابك ].

نظرتُ إلى حقيبتي هنيء البال، لا بأس أيضاً من حمّل بعض من انجازاتي ليراها..

لقد تذكرتُ تواً.. أنه بإمكاننا تغيير الصور التي بداخل الإطار.

••

 

الإثنين، 8.45 م

6/1/1437 ه

وديعة فيصل

Advertisements

[ مشروع اقرأ ] : ساق البامبو ●

٢٠١٥٠٨١٨_١٩١٠٠٤

أيتمنى أحدهم أن يتخلى عن إنسانيته، مقابل أن يحيا بحرية، حياةً كأيِّ حياة؟ حتى إذا ما أصبح صرصوراً يسير من غيرِ قرنيَّ استشعاره؟
هذا ما دار بخلدي في آخرِ عبارةٍ سرقت انتباهي، ضمن رواية ساق البامبو
والتي يقول فيها على لسان هوزيه، خوسيه، جوزيه، أو اسمه العربي (عيسى) : “خذوا مني إنسانيتي، واتركوني أعيش كالنملة، كالنحلة، كالصرصار من دونِ قرنيّ استشعار” !
لم يسرني أبداً أنني قد أنهيت حكايتها، فقد تمنيت أن تطول أكثر. وتغرس جذورها في الأرض التي تمنتها. ومع المجانين الذين لا يشبهون إلا أنفسهم.

 

ساق البامبو | للكاتب الكويتي: سعود السنعوسي
من الفلبين إلى الكويت، ومن الكويت إلى الفلبين.. ومنك إليك، حينما يُصبح الانتماء عاراً، والقرابة وباء فتتفشى بعجلة ويهرع أصحابها هرباً منها! كيف يمكن للوطن أن يُشيح بوجوههِ (العديدة جداً) عن أحد من يملك انتماءً إليه؟ بل كيف من الممكن أن يختلس منا إنسانيتنا، حبنا، وأحلامنا.. فنُصبح ونُمسي نتمنى العيش فقط.. كأيِّ إنسانٍ عادي، مواطنٌ يردد النشيد الوطني، ويملك اسماً واحداً، يُنهي به مذكراته على حائط هذا الوطن.
ساق البامبو .. ليست ساقاً قد قُطعت وماتت جذورها فحسب، وهي ليست حكايةً بطولية، ولا قصيدةً شاعرية، بل هي لقطة مُباغتة لوجه غائر من الحياة قد قُطع، مات حياً، ونُفيّ.
لن تقرأ فحسب، بل ستعيش، تُرغم على ربط أجزاء كثيرةً من الرواية بواقعك، ستدفعك إلى التأمل طويلاً والبكاء. بعد (السجينة) لم أتوقع أبداً أنني سأجد روايةً تحرك قلبي كما فعلت، وها هي ساق البامبو تجتث ذهولي ثانيةً، وأجزم أن أقتني باقيات سعود السنعوسي .
تقييمي: 9/10 فقط لشعوري بالملل بداية الرواية.. بسبب المطمطة. :d

[ احترت ما اقتبس؟ بسبب العمق المتجذر، والدقة في واقعية المشاعر المسكوبة في عباراته، مواقف الرواية ]
بعضٌ من اقتباساتي:

  • “كلما شعرت بالحاجة إلى شخص يحدثني .. فتحت كتابًا”
  • “السعادة المفرطة كالحزن تماماً، تضيق بها النفس إن لم نشارك بها أحداً|”
  • “الكلمات الطيبة لا تحتاج إلى ترجمة، يكفيك أن تنظر إلى وجه قائلها لتفهم مشاعره وإن كان يحدثك بلغة تجهلها”
  • “المرأة بعاطفتها، إنسان يفوق الإنسان”
  • “تتكشف لنا حقيقة أحلامنا كلما اقتربنا منها عاماً بعد عام. نرهن حياتنا في سبيل تحقيقها. تمضي السنون. نكبر وتبقى الأحلام في سنها صغيرة.. ندركها.. نحققها.. وإذ بنا نكبُرها بأعوام.. أحلام صغيرة لا تستحق عناء انتظارنا طيلة تلك السنوات”
  • “تسلط البعض لا يمكن حدوثه إلا عن طريق جبن الآخرين”
  • “الأديان أعظم من معتنقيها”
  • “كان من الصعب عليّ أن آلف وطنا جديدا. حاولت أن أختزل وطني في أشخاص أحبهم فيه، ولكن الوطن في داخلهم خذلني”
  • “التضحية الحقيقية .. هي أن نتخلى عن الأشياء التي لها قيمة لدينا لصالح الآخر”

أنصح بقراءته ❤ .

ولادة جديدة

 

  • “مهند.. إلى الخارج”

 

أهو يهزأ بي؟ قبل ساعةٍ كان هُنا، يتوعدني بأنني لن أخرُج قبل ستةِ أشهر! لرُبما أدرك أن ستة أشهُرٍ لن تُبرد قلبه فيّ، فأراد أن يراني ليصُب الغِلّ من قلبه على جسدي، لكنني لا أُبالي كثيراً سواءً ضُربت أو خرجت أو حتى بقيتُ هُنا.

  • “أ يومٌ واحد فحسب جعلك أصماً؟ أنت لم تعد تسمعني!” قالها بسُخريةٍ واضحة.
  • “وما الذي سأخرُج إليه؟”
  • “لا يحق لك أن تسأل، أُخرج فحسب” ثم أزاح القفل وفتح الباب.

 

لم أتردد في الخروج، وما الذي ينتظرني غير المصائب؟ لقد أعتدتُ عليها منذُ الصِغر، حتى أن أحدهم لا يُناديني إلا بصاحبِ المصائب.

  • “لا تفرح كثيراً”

 

تفاجأتُ من عبارة الرائد سمير الموكل بمراقبتي، وهو يُوصلني إلى المُلازم أحمد والذي بدورهِ جلس يتأملني ويُراقب سكناتي الهادئة، يا تُرى هل يبحث عن شيء؟ رُبما يُحاول اكتشاف نيةٍ بارتكاب جريمة جديدة قبل وقوعها؟ أو رغبة بالتمرد حتى يتسنى له إعادتي إلى تلك الزنزانة المأفونة! تنهدتُ صامتاً.

  • “أليس لديك فضول في سبب إخراجك؟”
  • “كلا” بلا ترددٍ أجبت.
  • “إنه شخصٌ ما، قد طلب إخراجك على كفالته”

 

تأملني مُجدداً بحثاً عن ردة فعل؛ لكنني ظللتُ في صمتي، فقال: “عموماً لقد طلب مني أن أوصل لك رسالة” ثم مدَّ إليّ يده بورقة مطوية، لا أعلم أيُ شعورٍ منعني من استلامها، لكنه بإصرارٍ وضعها في جيبي.

ثم قال: “لو فعلت شيئاً مُجدداً، أذيت أحداً أو تسببت بشجارٍ ولو كان بسيطاً، قدت سيارتك بطريقتك الجنونية، سوف أذهبُ بك بنفسي إلى السجن حتى تتعفن فيه”.

هززتُ رأسي بتململ، فأشار إليّ بالخروج، وخرجت بعد أن ألقيت نظرةً خاطفة تحمل بعض المغزى الذي لن يفهمه إلا الرائد سمير، لأنني أحسست بمدى الغيض الذي يأكله لخروجي أبكر مما توقع.

ضاعت خُطاي بين الطُرق، ولا أعلم لي وجهةً مُحددة، كُل الذي أريده أن أستطيع حصر فكري في شيءٍ مُحدد، شيء واحد، رُبما هدف؟ ذلك يبدو مُضحكاً بالنسبةِ لشخصٍ مثلي. ما الذي يجعلُني أُفكر بهذه الطريقة التي لم أعهدها عليّ من قبل؟

يا تُرى هل لدى فاشلٍ مثلي فُرصةً جديدة؟ هه، الأمر جدُ مُضحك، لا أعتقد أنه يحق لي مُجرد التفكير في هذه الفرصة حتى وإن كانت أمامي! لقد قتلني الناس مُسبقاً، لا .. بل أنا من قتلتُ نفسي أولاً، هل يستطيع الميت أن يعود للحياة!

وصلتُ إلى المنزل، هل كنتُ أسيرُ إليه منذ البداية؟ هل كانت رغبتي أن أصل إليه؟ وهل هو ذا أهميةٌ لي حتى أسلك إليهِ طريقاً؟ هامته ليست عاليةً جداً، وهو ليس جميلاً من أيِّ ناحيةٍ تنظر إليه، حتى الأفراد الذين يسكنونه.. لا أدري ما الأهمية من حياتي بينهم! آه، تذكرتُ الرسالة التي دسها المُلازم أحمد في جيبي، اعتراني بعض الفضولِ على محتواها، فأخرجتُها.. لكن صرخةً ما أفزعتني قبل أن أفتحها.

  • “أوه، مهند عاد!”

 

التفتُ للخلف، لقد كان مُعتز ذلك الطفل الأرعن، وقبل أن أُسكته هرع إلى الداخل ليُتابع اسلوبه المُزعج في الحياة! لقد صرخ بأعلى صوتهِ الذي استطاع إليه سبيلا كي يُخبر الجميع، الجيران، لرُبما عمّ صوته بقية الأحياء المُجاورة، هكذا تصورت، إنه ليس سعيداً بعودتي على الإطلاق، أظنه يُخرج بعضاً من استياءه بسبب عودتي المُبكرة! المُعتاد أن أجلس شهراً، أسبوعين على أقل تقدير. أخذتُ نفساً عميقاً، ودخلت.

  • “ماذا أرى؟ بهذه السرعة المفاجئة رجع إلينا صاحب المصائب!”

 

التفتُ يميني.. كان في صدرِ الصالة يجلس مُتكئاً وفي يدهِ سيجارة، كانت عينيه تقدحان شراً وكراهية.

تنهدتُ مُجدداً، لمَ عليّ أن أتوقف كي استمع إلى نواحِ روحهِ الهزيلة؟ وصيحاتِ جنونه! إنه ليس والدي على أيةِ حال، يتوقف وجوده على منزلته المتواضعة، زوجُ أم! أما الأم فهي كعادتِها؛ تُسامر أطباقها في المطبخ.

هرعت إلى العلية، والتي كانت ضيقةً بليدة لا تكفي لأن تحمل غُرفتي بين أحشاءِ جدرانها، ولكنها فعلت ولا أعلم كيف، بالأحرى هل كان مقصوداً موقع غرفتي منذ البداية؟ بالتأكيد أيُّ قصدٍ غير أن تكون مُصادفةً!

ولكن .. كانت هُناك مُفاجأةً تنتظرني، أو أقرب ما تكون منها إلى مُفاجعة! كان يتكئ إلى باب حُجرتي وينظر إلى النقطة التي التقت منها عيني به، يبدو أنه كان يتوقع عودتي خِلاف الجميع، وهل كان يعلم ما حدث لي؟ منذ متى كان آخر لقاءٍ بيننا؟ رُبما قبل خمس سنوات!

عدّل من وقفته حين رأى حضوري قائلاً: “أهلاً بك، أعتذر على تطفلي بالاقتراب من جناحك الفاخر، ولكنني عدتُ من سفرٍ طويل ولم أرغب بالنوم قبل أن أُسلم عليك، ولا أظنك تحبذ أن أُطيل الحديث”

كما تشاء، لن أحبذ هذا التطفل، في الحقيقة أنا بالكادِ أهتم بك أو بغيرك، ولم أُفكر حتى في سبب وجودك هنا، وكأنه غير موجود، بل كأنه لم يقل شيئاً، مضيتُ إلى الباب وفتحته.

ضحك وهو يهتف: “هوِّن عليك يا صاح، لقد جاء أخيك ليُسلم عليك”

توقفت، حان الوقت لأتحدث، عدتُ أدراجي، نظرتُ إليه وقلتُ بضجرٍ وملل: “وعليك السلام، ثم أنك لست بأخي، ولا قريب أو حتى صديق، اذهب وحيي من تُحيي، نم أو مُت لن أهتم” ثم عدتُ لغرفتي وأغلقتُ الباب وسط ذهوله.

••

لا شيء جديدٍ سوى طبقةً إضافية من الغُبارِ على الأرفة والأسطح بغرفتي؛ هذا أول ما تبادر إلى ذهني حين أفقت، غسلت وجهي وارتديت أقرب ثوبٍ تُطاله يدي، كان رمادياً!

نزلتُ إلى صالةِ المعيشة، غير موجود؟ نظرتُ إلى والدتي وهي تودع صغارها الذاهبون إلى المدرسة، لقد كانت ترتسم على ملامحها نوعاً من الابتسامة.. هل كانت صادقة؟ مالِّ شكوكي قد تمردت على لا مُبالاتي؟ أكنت أهتم من قبل بمثل هذا؟ يا تُرى من الذي تكفل بإخراجي من التوقيف؟ لمَ أتى هذا السؤال في بالي فجأة، نفضتُ فكري وسألتها: “أين زوجك؟”

نظرت إليّ بعتابٍ، على طريقة السؤال في حين أتاني صوتٌ من خلفي: “مالي أرى صاحب المصائب يسألُ عني؟ أهو في حاجتي!”

تساءل بسخرية، لكنني أجبت بهدوء: “لمَ أتيت به إلى هُنا؟”

  • “عليك أن تسألني مُباشرةً لا أن تبحث عن السببِ من ورائي”

 

في هذه المرة كان الصوت من خلفي، وقد أتى من الخارج حينها، ما هذه العائلة؟ إنهم يتناوبون في التطفل بطريقةٍ عجيبة.

  • “لم تُخبرنا، كيف خرجت هذه المرة بهذه السهولة؟ من الذي أخرجك؟” سألني زوج أمي بتهكم.
  • “ذلك ليس مُهماً”
  • “إذاً ما المهم؟”
  • “أن لا أعود إلى هُناك” من غير أن أشعر، أجبت.. لا أعلم ما الداعي لإجابتي هذه أمامهم؟ رُبما أردتُ أن أُؤكد ذلك لأحدٍ ما يقفُ خلفي.
  • “أوه، من يسمعك؟ هل أنت من تقول ذلك؟ أم أنه مُجرد تمثيل دور التائب الذي يُريد أن يبدأ من جديد!” قال عمي ذلك بطريقته المعهودة في السُخرية مني.
  • “ولم لا يبدأ مُجدداً؟” أجاب ياسر وعلى ثغره ابتسامةً هادئة، مُتجاهلاً سُخرية عمي.

 

ذلك لم يكن ليُرضي كبريائي، أن يمتدحني هذا الياسر! ولا أعلم السبب، رُبما لأنه يُحاول تمثيل دور الأخ الأكبر، الناصح والمُفيد، والقدر الذي جمعنا لا يجعله في نظري أهلاً لذلك. خرجتُ مُتجاهلاً تجمعهم.

أن أبدأ من جديد؟ لم يخطر ذلك لي، كم مرةٍ عليّ أن أبدأ من جديد؟ بل كم بدايةٍ سأبدأها؟ وكم حياةٍ سأعيشها! خسارة الفرص؛ تورث في القلبِ التبلد، لا أشعر بالحماسةِ للحياة!

••

عدتُ مُتأخراً، رفضتُ العشاء وصعدتُ إلى حُجرتي، كان هُناك من يلحقني، حاولتُ إغلاق الباب قبل أن يصل لكن ذلك لم يكن ليحصل بما أنه ياسر، دخل وعلى ثغره ابتسامة تهكمية من مُحاولتي الفاشلة.

نظر إلى أرجاء غُرفتي ثم قال: “ألا تختنق؟ إنها كئيبة!”

سخرت: “أوه، حقاً؟ رُبما عليّ أن أطلب من والدك الثريّ تغييرها، بما أنه قد بنى لنا هذا القصر الفخم”

وصل مقصدي السيء إليه، لكن شيئاً من ملامحه لم يتغير، لأكون صادقاً.. ذلك أزعجني جداً ولم يُشفي غليلي، سألتُ من غير أن أُخفي حُنقي: “ما الذي تُريده؟”

  • “أن تعود للجامعة، بقيت لك سنةً واحدة وتتخرج، لا تُضيع وقتك” قالها بلا تردد.

 

صُدمت من طلبه، رُبما طلبت منه والدتي أن يُقنعني! ألهذا يُلاحقني؟ ضحكت بسُخرية ومن ثم اتكأت على المكتب في مواجهته: “لست مُجبراً على مشقة هذه المحاولات”

  • “ومن قال إنها ذات مشقة؟” أجابني وهو يهز كتفيه.
  • “كأنني أشتم مُحاولة للتصرف بحكمة؟ أنت تكبرني بسنتين فقط”
  • “ثلاث سنوات” صحح لي.
  • “ليس مُهماً”
  • “لكنني أخيك الأكبر”

 

كِدتُ أخرج حينها، لكن عبارته أعادتني للخلف، صعد الدم في وجهي من الغضب، إنه يُكرر ذلك مُتعمداً إغاظتي، هكذا تصورت الأمر، همستُ بصوتٍ غاضب: “توقف عن ذلك، أنت تعلم بأننا لسنا إخوة”

  • “لكننا في مقامِ الإخوة يا مهند.. ما بالك تكرهني إلى هذه الدرجة؟”
  • “لأنك ابنه”.

 

تنهد من غير أن يُجيبني، فتابعت: “أنت مُجرد ابن زوج أمي، لا شيء أكثر من ذلك، فلا تُتعب نفسك في مُحاولة تمثيل دور المثالي أمامي، لن أستمع إليك، لن تُغير شيئاً في حياتي أو حتى تُقنعني بفعل ما تراه صواباً”.

  • “خذ الأمر ببساطة، أنا لا آبه بالشكليات، ولا أُحاول تمثيل أيِّ دورٍ أمامك، أنت تُعقد الكثير من الأمور، تنظر إلى التفاصيل وتُعطيها الكثير من الأهمية، وفي المقابل تتجاهل الأشياء الواجب عليك الاهتمام بها، لذلك أنت لا تُعطي لنفسك أيُ فرصة للتغيير”

 

ذلك ما ينقصني! أن يُحلل تصرفاتي بكل ثقة، وكأنه يعرفُني، منذ متى وأنا أفعل ما يقول؟ إنه يُفسر أفعالي بطريقةٍ تُخالف ما أراه! لقد جعلني أنظر إليه مُندهشاً هذه المرة إلى أن ابتسمت بتهكمٍ وأنا أهز أكتافي. أما هو فقد تنهد، وخرج.. يبدو أنه اكتفى، لا أعتقد أنه سيُزعجني بعد الآن، وهذا أمرٌ في صالحي.

لكنه قبل أن يخرج التفت إلي وقال: “لقد توقعت أن أجدك كما كُنت متألقاً، حيوياً.. لقد خاب أملي فيك حقاً”.

بعد أن خرج، لم أُحرك ساكناً، بل لم تتغير رؤيتي عن الباب، ولا أعلمُ لمَ، في تلك اللحظة.. تذكرتُ الرسالة التي لم أستطع قراءتها.. ولا أعلم أين اختفت!

ثم أنني شعرتُ بالاختناق، أيستطيع المرء الهرب من نفسه؟ أن يتركها، ويتولى عنها غير آبه! أن يُصبح فجأةً شخصاً جديداً في حياةٍ جديدة. إنه الخيال الذي لا يتحقق.

••

يُقال إن زقزقة العصافير، تبعثُ في القلبِ الحياة، لكن ما لي أرى الناس يسمعونها ويبقون في موتةِ قلوبهم مُستمرون؟ غالبُ ما يُقال لا يتعدى حدود الفلسفة المُجردة، والهيكل المسرحي المُترف في شكله الأنيق، الفارغ من الداخل من أيِّ حقيقة. ما الأمر؟ أأنا من يتكلم عن (موتةٍ القلوب)؟ يا للفكاهة!

جلستُ على طاولة الطعام ووالدتي تضع لي وجبة إفطاري، وهي تقول: “أتعلم ما صار عليه الآن أخيك ياسر؟”

  • “ليس أخي”.

 

وكأنني لم أُصحح لها، تجاهلت قولي وتابعت: “”لقد تعين طبيباً في المستشفى القريب منا”.

آه، فهمت.. لذلك قد عاد الآن إلى العيش مع والده هُنا.

  • “هل تتحدثانِ عني؟”

 

لقد أتى.. أهو شبحٌ متخفي يتحركُ في البيت كيف يشاء، وفي أيِّ زمانٍ يُذكر فيه يظهر! يا لعجبي منه، بينما ظهر عليّ التذمر.. بان على ملامح والدتي الكثير من السرور بمجيئه، قبّل يدها ورأسها ثم قال: “صباح الخير يا أمي” استنار وجه والدتي أكثر، وقد حسدته على قدرته في إدخال الفرح والرضا على قلبها بعكس برودي. مما جعلني أقول: “ليست أمك”

  • “كفاك يا مهند، لا تكن شيطاناً لا يرتاح إلا بأذية غيره، تهذب وتعلم من ياسر أن تكون باراً وحسن السلوك تجاه غيرك”.

 

تركتُ الخبز من يدي بتضجر، وتركتهم، وأنا استمع إلى صوتِ ياسر وهو يرجوها ألا تُعاتبني! إنه وغد يعرف كيف يكون جيداً للآخرين، في ظرفِ يومين استطاع قلب موازين البيت، وجعل الجميع يقفُ في صفه! أنا لا أهتم لذلك.. لكنه بطريقةٍ ما؛ يستفزُني.

أخرجتُ ورقةً من جيبي، كان عليها خط والدتي.. طالبةً مني جلب هذه الحاجيات، أشعر أنني لو جلبتها الآن لكان مُحرجاً؛ وكأنني أُحاول الاستماع إلى نصيحة “كُن مثل ياسر!” يا إلهي، لن أفعل ذلك، الآن على الأقل.

أنا أعلم يا أمي، أعلم كيف أكون جيداً، وأعرفُ الطريقة، لكنني كلما حاولت أن أسلكها، أبدأ ثم أسقط، ثم أبدأ ثانيةً وأسقط.. ولا أفتر أن أبدأ ثالثة.. حتى أسقط، السقطة الثالثة أيضاً! إلى أن وُصمت أمام الجميع بالذي لن يصلح على الإطلاق! بالسيء، الوقح، الحُثالة.. وصاحب المصائب!

أمي.. إن أولُ شيءٍ يتبادر إلى الجميع حين يرونني الآن، لماذا خرجت مُبكراً؟ كيف لشخصٍ سيءٍ مثلي أن تُعطى فُرصة! فالخطأ الذي يرتكبه البشر لا يُغفر، وإن غُفر فإنه لا يُنسى، بل المُثير للضحك، أنه سيبقى مقروناً بصاحب الخطيئة حتى يموت، ولرُبما حتى بعد موته، يُقال.. فُلان الذي فعل كذا وكذا! ليس كل قلبٍ في الحياة؛ كقلبكِ الأبيض يا أمي، رُبما تكونين صاحبة القلبِ البشري الوحيد الذي يصفح، ويستطيع أن ينسى.

وصلتُ أمام إحدى البقالات.. نظرتُ إلى الدرج الخلفي الذي عادةً ما أجلسُ عليه للتأمل فوجدتُ بعض الصبيان، نظرت إليهم بغضب، فتناثروا إلى الأرجاء هلعين مني، وبعضهم يهتف بصفاقة: “حضر الشيطان”.

تأملتُ المكان بملل، حتى فاجأني أحدهم، واضعاً يده على كتفي، وهو يقول: “ما الأمر؟ ألن تجلس بعد أن أرعبتهم بعينيك المُخيفتين؟”

أجبته بلا اكتراث: “لقد فقدت الاهتمام بالجلوسِ هُنا، ماذا عنك؟ أأنت مُتعلقٌ جداً بي، كي تُلاحقني في أيِّ مكانٍ أذهبُ إليه؟”

ضحك طويلاً جداً وبصوتٍ عالٍ، حتى شعرت أن حُنجرته قد تسقط! ثم نظر إليّ وقال: “لم أحسب بأنك قادر على إلقاءِ النُكات!”

تنهدت والتفتُ عنه: “حدد نوع شخصيتك، أأنت من النوعِ الهادئ أم الصاخب! أو رُبما تكون من المُلاحقين ذوي اللاصق المُزعج”.

مضيتُ عنه، لكنه لم يأبه بتجاهلي بل قال: “ذاك النوع الذي يتمنى أن يكون جيداً للأشخاص الذين يهتم بهم”

توقفت، والتفتُ إليه، رُبما سأجد ابتسامةً هازئة، نظرة تهكمية ووقفة مسرحية، يُخال إليّ أنه ما زال يؤدي دوراً ما من أحد المسرحيات التي لا تمتُ للواقع الحقيقي بصلة! لكنني ما وجدتُ إلا تلك النظرة الجادة، والابتسامة التي يقشعر منها بدني، إنها ودودةً للغاية! لكن ذلك يُحرجني.. يجعلني وكأنني أنا الشخصُ الوحيد الشرير!

تنهدت وابعدتُ عينيّ عنه وأنا أهمس: “لن تستطيع فعل شيءٍ لأجلي يا ياسر، لن تستطيع مُساعدتي، أو حتى تغييري لأن أكون شخصاً أفضل، لا تُهدر وقتك عليّ، أعترف بأنك شخصٌ جيد وعادةً ما يفعل ما في وسعه للآخرين، لكنني مُختلف، لقد تعفنت منذ زمنٍ بعيد ولم أعد صالحاً للحياة”

  • “من أنت لتحكم على نفسك هكذا؟ ثم من قال لك أنني أحاول مساعدتك أو تغييرك للأفضل؟ أنت لا تحتاج ذلك يا مهند، أنت شخصٌ جيد، ابحث عنك في داخلك، هوِن على نفسك ولا تُثقل عليها، أنا هُنا لستُ لأن أكونَ جيداً أو مفيداً بالنسبةِ لك، لقد لحقتُ بك لأنني أرغب بالسير معك قليلاً، أن أكون إلى جانبك.. أحكي لك الكثير وإن لم تتحدث، أبقي حالك صامتاً، لا يُهمني، نحنُ في نظري إخوة، ذلك لن يتغير حتى ولو حاولت تغييره سبعين مرةً”

 

هذه المرة، أنا من ضحك، ولم أعرف بما أُجيبه؟ رأس هذا الشخص لم تتغير.. إنها مُفخخة بالألعاب النارية!

عجيبةٌ هي النفس البشرية، كيف لكلماتٍ بسيطة أن تُؤثر عليها؟ تُضحكها.. أو تُبكيها! تجعل صاحبها يبتسم.. أو يعبس! يمضي أو يتوقف! ما هذه الكلمات؟ وكأنها هطولٌ من السماء.

••

وقفتُ أمام المنزل؛ أعتقد أنني فقدتُها هُنا، تلك الرسالة.. ظللتُ أبحث عنها عدة دقائق، حتى أتو أولئك الرفاق، بعضٌ من الذين أعرفهم قديماً وأعبثُ معهم، لقد كنتُ أمضي الكثير من الوقتِ برفقتهم، وهم من شجعني بترك الجامعة. لكن لا أستطيع أن أقول أنهم هم السبب في ذلك، لا يتوجبُ على الواقع في الخطأ أن يجعل أحداً شماعةً يُعلق عليها خطؤه، بكل بساطة .. المخطئ هو المخطئ، لا أحد سواه كان المتسبب لما هو فيه، أعتقد أننا نستطيع المضي بعيداً عمن يؤثر علينا سلبياً، لسنا أكمةً، ولا مكفوفين كي لا نرى الطريق أمامنا! لقد خلق الله البشر بعقولٍ يستطيعون بها التفكير، والتفكير لوحده كفيلٌ بمعرفة الصواب من الخطأ.

  • “لم نرك منذ زمنٍ يا مهند”
  • “ما الأمر؟ هل مللت منا؟”
  • “شُغلت” قلتُ ذلك وأنا أُحاول التملص منهم.
  • “وكأنك لا ترغب بتواجدنا؟”
  • “لقد بات يتهرب، منذ اليوم الأول من خروجهِ من التوقيف، لم يُجيب عن اتصالاتي”
  • “وأنا أيضاً!”
  • “مهند.. هل بات الغرور يُلازمك بما أنك خرجت سريعاً؟ أو أنك تريد أن تتحول لشخصٍ صالح!”
  • “هو؟ يُصبح صالحاً!” ثم تعالت ضحكاتهم بطريقةٍ عابثة، في حين قال أحدهم قبل أن ينفجروا ضحكاً: “الشيطان لا يتحول لملاكٍ مهما حاول”.
  • “هل انتهيتم؟ أنا مشغولٌ الآن، لديّ عملٌ مسائي”

 

تأملوني بحُنق، قبل أن يقترب مني أحدهم وهو يسحبُ ياقة ثوبي ويهمس: “هل تريدُ مني أن أضربك حتى تتعلم كيف تتحدث معنا؟”

تنهدتُ وأنا أتماسك حتى لا أنفجر، ثم قلت بهدوء: “هلّا ابتعدتم؟ لم أعد أرغب بالمشاكل”

  • “إنه يقصد أننا أصحاب المشاكل، أم أنني أتخيل؟” قالها أحدهم وهو ينظر إلى أصحابه.
  • “يبدو أنه يتوجب علينا أن نُعلمه درساً جديداً” أشار إلى رفقته، ثم تكالبوا عليّ بالضرب، حتى شعرتُ أن أضلاعي تنوح، بطريقةٍ ما لم يؤذونني كثيراً، ولم أعرف السبب إلى أن سمعت أحدهم يُجري اتصالاً ما، آخر اتصالٍ كنت أتصور أن يكون! ثم ضرب أحدهم الآخر بصخرةٍ ما على جبينه! ما الأمر؟ ما الذي حدث تواً؟

 

لم تكن سوى دقائق.. وقتٌ قصير حتى جاؤوا إليّ، إن سمعتي سيئةً لديهم، رُبما ليس عليّ لومهم. وحينما تأملوا الواقعة التي لا تحتاج إلا إلى تفسيرٍ واحد، طاولتني نظراتهم. لقد وقعت.. يا إلهي.

كان منزلي في المقابل لذلك لم يخف عنه الأصوات، بل أتى من كل حدبٍ وصوب من يحبذ التطفل، واكتشاف الأخبار الجديدة، وعيش بعض الذكريات البئيسة للأشخاص الآخرين! كان في مقدمتهم زوج والدتي، الذي لم يفتر أن قال: “لقد أخبرتكم، أبقوه لديكم وأحسنوا تأديبه إنه لن يتغير، ولن يصلح حاله على أيةِ حال”

وجدتُ عينيّ تنظر لخلفِ عمي، ما بالي؟ هل أرتقب شخصاً ما! منذُ متى وأنا أنتظر أحداً؟ منذ متى وأنا أشعر بالحاجة لكائن أيٍّ كان! لقد شعرتُ أن تغييراً ما قد طرأ عليّ، لكنني لا أدري كنهه، ومنذ متى.

لو كان هُنا، هل كان سيسمح لوالده بمتابعة كلامه هذا؟ إنه شخصٌ مثاليّ، لن يدع شيئاً يفوته، سوف يُرضي الطرفين.. هذا ما شعرتُ بأنه سيفعله.

  • “لمَ لم تسألوه عمّا حدث؟”

 

في هذه اللحظة فاجأني، ثوانٍ ووجدته أمامي، يا تُرى هل أتى لتوهِ وفهم الأمر كله مرةً واحدة، أم أنه كان موجوداً منذ البداية، وأنتظر اللحظة الفاصلة التي سيظهر بها كالمنقذ مثلاً! أنا حقاً لا أستطيع أن أفهم هذا الرجل.

هذه المرة وجه السؤال إليّ: “ما الذي حدث يا مهند؟”

وقفتُ على قدماي، حولتُ نظري إلى الجميع، تأملتهم فرداً فرداً، لقد كانوا للتو يُؤكدون أنني المذنب، المجرم، الشيطان، والشخص الذي لا يتصرف إلا بسوء! كلماتٍ بسيطةٍ من هذا الطبيب، حولت نظراتهم الشرسة والحاقدة إلى نظرات تردُدٍ وحيرة، يا إلهي.. إنني لا أعرف حقاً كيف أُظهر لهم أنني شخصٌ يريد أن يتوب!

قلتُ بصوتٍ خافت: “لقد اعتدوا عليّ”

  • “لم يسمعك أحد، ارفع صوتك، لا تتردد في إظهار براءتك!” قالها ياسر لي، بكل ما يحمله صوته من الثقة، والقوة، مما دفعني إلى رفع صوتي عالياً جداً، رُبما قد قارب الصُراخ!
  • “لقد جاءوني أولاً، هم من بدأ الاعتداء، رُغم ذلك فإنني لم أردّ عليهم الأذية!”

 

حلّ السكون على المكان، مما جعل بعض أولئك الفتية يتحرك ويُحاول تثنية الناس عن التصديق، وبدأ في سبر حكايتهم المزعومة!

  • “تعالّ معنا، وسوف نناقش ذلك في….”
  • “إنه حتى لم يُدافع عن نفسه” كادت الدورية تأخذني معهم لولا عبارة ياسر، مما جعلهم يلتفتون إليه: “وما أدراك؟”
  • “أنظر إلى يديه، إنها مُتسخة بالطين”
  • “وماذا في ذلك؟”
  • “الأمر واضح، لقد سقط على التربة.. وتلوثت ثيابه ويديه منها، ولو أنه تعارك معهم لاختفت هذه الآثار”

 

توقف الضجيج مرةً أُخرى، وتراجع الشرطي، لقد بدأت العقول تعمل أخيراً، وكأنهم تنبهوا تواً أنني أيضاً بشرٌ قد يُظلم يوماً ما، ولستُ بالشيطانٍ الذي يُذنب طيلة الوقت!

تابع ياسر: “كما أننا منذ أتينا وهو على الأرض، أيُمكن أن يستطيع ضرب أحدهم وهو في هذه الحالة؟ أنظروا أيضاً إلى جُرحِ الشخص المُدعي أنه قد أُعتديّ عليه، إنه حتى لا ينزف، بعكسِ جروح مهند فهي أعمق وأغزر، ألا تستطيعون أن تنظرون إلى الأمر بواقعية أكثر وبعيداً عن العواطف الجبانة، والأحكام العشوائية؟”

وقفتُ بجانبه وبلا شعورٍ ضحكت، وأنا أهمس: “منذ متى وأنت تؤدي دور المُحقق شارلوك هولمز أيضاً؟”

همس لي بدورهِ: “منذ أن تركت جانبي أيها الطبيب جون واتسون، وحاولت التمرد على عبقريتي الفذة”

ضحكتُ بخفوت، وأنا أتعجب، هذا الرجل إنه ليس كلاماً شفهياً فقط، كنتُ أحسبه شخصاً لا يعرف سوى الجدية والعمل، والنصح والتباهي.

••

بعد أن تبعثر الناس، وتناثروا إلى معاقلهم.. لم يتبقى أحد واقفاً سوايّ وإياه، لم أعرف ما أقول، أنا لا أعرف كيف أشكر، ولا أعيّ تُرجمان الامتنان أو أعرف طريقةً لرد الدين، إنني لا أعتقد أنه بحاجتي كي ينتظر رد هذا الدين!

رُبما الآن، لن أغضب أو أتحامل، أو حتى أُصحح له مفهومه، حينما يصفُنا بالأخوة! بل لن أُصحح له شيئاً بعد الآن، سأدعه يتحدث كما يشاء، أعتقد أن توقفي عن إزعاجه، جداله، كافٍ. وضعتُ يداي في جيبي ومضيت عنه، فقد تذكرت ما خرجتُ لأجله، وها أنا أعود لإكمال بحثي أمام باب المنزل. وأنا أعرُج.

  • “أتبحث عن هذه؟”

 

التفتُ إليه بتساؤل، فوجدُتها بين يديه: “كيف عرفت؟”

ضحك، ثم أعطاني إياها ودخل المنزل، ها هي الآن بين يدي، لا أعلم كيف باتت حياتي كالعجين منذ رأيتها، وكيف لها أن تُحدث بعض التغيير في قلبي، من قبل أن أنظر ما في داخلها! إنني متشوق حقاً لرؤية ما تحمله.

ها؟ يا للصدمة! لقد فغرت فاهي طويلاً، لم أستوعب الكلام حتى هرعت إلى المنزل، بل إلى غرفته، دخلتها وأنا ألهث، وقد نظر إليّ وفمه مليءٌ بالحلوى، يبدو أنه يسخر مني مُجدداً إن خديه مُكتنزتان تجاه عينيه. رميت الرسالة إليه وأنا أقول: “لقد أبدلتها أيُها الوغد، وأنا الذي تعجبت من إعادتك إياها! أين الحقيقية؟”

  • “يا أخي إنني لا أعلم عنها شيئاً”
  • “أولاً أنا لستُ أخـ…” تذكرت، لقد قررت ألا أفعل ذلك مُجدداً، أخذتُ نفساً عميقاً كمن سيقوم بمجهودٍ عظيم ومن ثم زفرت الهواء الذي بداخلي، وقلت: “أقصد أنا لستُ مُصدقاً لك، أعطني الرسالة، إنها لي”
  • “لمَ؟ ما المكتوب فيها؟” قال ذلك بلا اكتراثٍ وهو يجلس ويُتابع أكل الحلوى التي بيده.

 

تنهدت، وأنا أتذكر ما كان مكتوباً (الأحمق هو من يُضيع رسائله المهمة)، أجبته: “حسناً، لن أُضيعها ثانيةً، أُقسم لك، هاتِها الآن”.

ضحك، ومن ثم أخرج من درجه تلك الرسالة، الورقة المطوية.. وضعها بين يداي، إنها لم تتغير حتى طريقة الطوية كما كانت تماماً، فتحتُها باهتمامٍ كبير، وشوقٍ عارم، وذُهلت! أعدتُ قراءتها بتركيزٍ أكبر، ومن ثم التفتُ سريعاً وأنا أُنادي: “ياسر”

كان قد خرج من الغرفة، والباب مفتوحٌ على مصراعيه، التفت إليّ، من غير أن يتحدث، فسألته: “أنت من كتبها، علمتُ ذلك منذ قرأتها .. لكن أجبني”

  • “نعم”
  • “أنت من أخرجني على كفالته؟”
  • “نعم” أجابني ثم ابتسم.
  • “ما هي الفُرصة التي تعنيها؟”
  • “بريقُ عينيك، عزيمتك، رؤيتك، الحياة أمامك والتي وهبها الله لك”
  • “وهل ذلك كافٍ للولادة الجديدة؟”
  • “بل أكثر من كافٍ، أنت يا مهند، تستطيع أن تكون المُحقق، المُنجز، والمُنتصر”
  • “إن كنتُ أنا كذلك.. فأنت ماذا!”
  • “يُمكنك القول إنني منك في منزلةِ الطبيب جون واتسون لشارلوك هولمز”

 

فتحتُ عينيّ، ومن ثم ضحكت، إن أقواله تتقلب. يا إلهي! أنا حقاً ما زلتُ حياً؟ أستطيع الضحك! رُغماً عمّا لديّ من ثقوب بين صفحاتِ حياتي، ماضييّ أكثر من مُجرد بائس، يحتاجُ الكثير من الإصلاح، بل إعادة البناء، أيامي الكئيبة، سُمعتي السيئة، قد استنفذت طاقة الحياة، من حياتي.. ولكي أُعيدُ شحن طاقتي لِأُرمم هذا الحُطام؛ أحتاج الكثير من الأيام، لكن الله سيتكفل بي وبها.

إن بني البشر يقتادون ما يعتادون عليه، أ يستطيعون منعي من أن أخلُق لي حياةً جديدة؟ لا أحد يقدر على الوقوف في حياةِ غيره! إنهم بالكادِ يعيشون! لن أدع نُقطةً ما تُنهي لي حياتي، قلبي ما زال حياً، لقد أعطاني الله هذه الحياة، ما زلتُ أملك الشعور بها، ألتمس رغباتي، ولدي آمالٌ أيضاً، بدايةً مُختلفة هذا كُلُ ما أحتاجه، ولو كانت للمرةِ المائة! زراعة بذرةً صالحة على تُربة قلبي، ستتكفل بقتل البذرة الفاسدة، واحتلالِ موقعها مهما زُرعت من بذورٍ قبلها وفشلت.

عدتُ للورقة بين يداي، تأملت المكتوب فيها: (كُن لهذه الفرصة، الولادة الجديدة).

 

تمت بحمدِ الله

الجمعة : 10.56ص : 4/3/1436هـ

وديعة فيصل .

في العتمة ضوء | العدد (182) من مجلة حياة للفتيات 

[ مشروع اقرأ ] : السجينة ●

٢٠١9878-1

“السجينة” منذ رأيتها في جرير قد لفتتني، لكنني قط لم أُفكر باقتنائها! رُبما لأنني سمعتُ بكمية الحُزن المتراكم فيها والذي ما يجعلني أتجنب الكتب التي تعتريها مثل هذه الشوائب القاتمة، حتى أنني حينما هفت بي مرةً واشتريتها، حفزني حافزٌ عجيب أن أرُجعها إلى المكان الذي أخذتُها منه، وقد فعلت.

وكلما ازددتُ نفوراً منها، تعالى فيّ نداء الرغبة في قراءتها، المهم أنه بعد توبيخ بعض الصحب تجاه فعلي وتشجيع آخرون على قراءتها، وبعد فترةٍ لا بأس بها، اقتنيتها مُجدداً، والشغف يشدُني إليها.

بدايتها كانت مُملة قليلاً، لكنها مع ذلك عجيبة.. مع وصف مليكة لحياتها بين العائلة الملكية وفي القصور الهائمة ثراءً، وصفها الدقيق لتلك الحياة، واليوميات الزاخرة بالمغامرات والحُب تجاه الحياة بكل ألوانها. ازداد الأمر غرابةً في التحول المُهيب الذي سيطرأ على حياتها وعائلتها.

كيف يتحول.. (كل شيء) بكل الترف والزهاء إلى (لا شيء) سوى البقاء على حافةِ الحياة في السجون المقفرة في منتصف الصحراء القاحلة!

لقد كانت رواية مُترفة بالمعاني الإنسانية، كمية الاقدام في التمسك بالحياة أذهلتني، وكلما تشبع بهم البؤس والمرض، الفقر والضيق، الجوع والسجن، كان يطيب لهم العيش أكثر، وتستمر حلقتهم في الاستدارة معاً والتكامل مع الحياة.

وخلال فترةٍ ليست بالقصيرة ولا الطويلة، ومن خلالِ نفقٍ ما صعدوا قارب الحرية، واستطاعوا من خلاله هزيمة سجانيهم بكلِ إباءٍ وكبرياء.

ممتنة جداً للتحفيز المعنوي الذي امتلأتُ به من خلال هذا الكتاب.

تقييمي للرواية: 9/10 تحفظاً لبعض الأمور فيها.

اقتباساتي:

“كل شيءٍ يمضي ويمرّ، إلّا أن يكون عدوك جزءاً لا يتجزأ منك. وتلك هي المصيبة والهزيمة”

“كنت (إذاعةً متحركة) لا تتوقف عن البث طوال النهار، مما يتركني محطمة القوى ومنهكة ليلاً.. لقد أعطيتهم كل ما كان لدي من قوة وطاقة. لم يكن بإمكاني التنصّل من مسؤولياتي حيالهم. لقد قاومت وتجلّدت وتصبّرت، وعضضتُ على جرحي وألمي، ولأجلهم هم وحدهم تمسكت بالحياة”

“الحلم عزز صمودنا وبقاءنا. وعاطفتنا المتبادلة خففت من وقع مأساتنا بعض الشيء. تواجدنا مع بعضنا البعض شكل لنا دعامة معنوية ونفسية كي نتعالى على جراحنا، وكي لا نستسلم لليأس والإحباط مثلنا كمثل الجسد الواحد”

 

| قراءةً ممتعة لمن يرغب بقراءتها ❤

سارق بلا سرقة

JJJJJJJJJ101122181244EJoj

 

  • “ماذا! هل سرقت؟”
  • “لا تتهمني بلا دليل! إنني لم أسرق شيئاً”
  • “حسناً، حسناً، لا تُزعجني اذهب لأمك ولا تعد مُجدداً إلى هنا”
  • “لكن .. هذا العمل الوحيد الذي يُعيلُني وعائلتي!”
  • “أخبرتك ألا تعود، أأنت لا تسمع!”
  • “بل أنت الذي لا تسمع، سُحقاً لك”
  • “هيّ .. انتظر أعد المال .. هيّه”
  • “أتركه .. لقد عمل لديك شهرين ولم تُعطهِ أيُ مقابل”

●●

 

“أما الآن فقد قُطعت السلسلة من يدي، إلى أين أذهب وكيف سأجمعُ نقوداً أُطعم بها والدتي وأشقائي الصغار؟ إنهم ينتظرونني الآن وقد وعدتهم ببعضِ الحلوى والكعك وهدايا العيد، يا إلهي أيُ عيدٍ يمر عليهم ولم يلبسوا جديداً أو يرون أحداً ممن يعرفون، إنه والله لسجنٌ بلا سقفٍ أو حتى أرض”.

أخذتُ نفساً عميقاً، ومن ثم التفتُ حولي “أين أنا؟” حتى استقرت عيني إلى الأمام.. إنني لم أشعر بسيري نحو المسجد، إنه أمامي الآن يقفُ بشموخٍ وعزة، تنهدتُ باحثاً عن السلام، ودخلتُ مُتوشحاً بحُزني، متجهاً إلى صدرِ تلك المساحاتِ البيضاء.

  • “أهلاً عمر، منذُ متى لم أرك!”

 

التفتُ إلى حيثِ الصوت المُتحمس هذا، إنه ماهر الجار المُزعج وكثير السؤال والكلام! ورغم أنه أكبرُ سناً مني بعشرِ سنوات، إلا أن تصرفاته لا تدل على ذلك أو حتى أقرب! هل تفرغتُ حتى ألتقي به وبغيره؟ هل استطعتُ تلبية حوائج عائلتي حتى أُلبي لُقياه متى شاء؟ أما الآن فمَ الذي يُريده؟

  • “كيف حالك يا رجل؟”

 

أخذتُ مُصحفاً وأنا أُجيبه: “إن حالي بأفضلِ من حالك على الأقل”.

ضحك طويلاً ثم قال بابتسامةٍ ساخرة: “لكنني يا عزيزي، ما زلتُ مُستمراً في عملي وبكلِ أريحية!”

حدجته بنظرةِ ازدراء: “أتعلم يا ماهر؟ أنت بنظري أسوء الناسِ حالاً، صدقني أنت تُثيرُ عطفي وشفقتي!”.

ثم ابتعدتُ عنه مُتجاهلاً كل عصبيته ورده السطحي الغاضب، دخلتُ بين الصفوفِ الممتلئة إلى الزاوية حتى يعجز عن اللحاقِ بي، وجلست .. بقيَّ على صلاةِ الظهر نصفُ ساعة .. فلأقرأ ما يُنسني هميّ.

●●

الأشجار تتحرك عكس تيار الرياح، والعصافير تعلمُ متى تُغرد، ترحلُ صباحاً حتى تعود مساءً مُحملةً بالطعام حيثُ صغارها والتي تنتظر الغذاءِ بلا كللٍ أو استسلام، واثقةً بمجيئهم به، الشمسُ تغربُ ليظهر القمر، والقمر يحتسي ليله بدونِ ترك أيُ قطرةِ ظلام، حتى يفسح للشمسِ كل مجاله وينزل عن قمته لتعتليها، الهدوء، الضجيج، كيف يتمازجانِ في قالبٍ دُريٍّ بديع، النور والظلام، العقل والروح، الصغار والكبار، العائلة! كيف تتكون من أفرادٍ مُتناثرين فتصير واحداً ليأتي بآخرين، أمي تتكئ عليّ بعينين مُغمضتين، وإخوتي الصغار يقفزون حولي حال عودتي إلى البيت، وكأن أمانيهم، تطلُعاتهم تتوقفُ عليّ وحدي.

أخبرتني أمي يوماً، أن الأحلام لا تستمر إلا فوقَ أساسٍ متين، يا تُرى ما الأساس الذي يجبُ أن أبني عليه أحلامي كي تستمر؟ وهل يجوزُ أن أحلم، قبل أن أُحقق لعائلتي أحلامها؟ أم أنه يتوجبُ عليّ أن أمزج أحلامي بأحلامهم الصغيرة؟ كلا، لا أعتقد أنني في وضعٍ يسمحُ لي أن أحلم! ما لي أتمادى كثيراً في التفكير حول معقلِ نفسي؟ هل نسيت ما الذي ينتظرني! إنني بلا عمل عوضاً عن أن العيد مُقبلٌ لا مهرب منه.

نظرتُ من حولي، فما وجدتُ سوى البائعين الجوالة، أخذتُ أسيرُ بينهم بشرود، حتى أسقط أحدهم مجلاتٍ وجرائد عن يده، نظرتُ إليه وهو يجمعها بفوضوية وعجلة، فنزلتُ إلى الأرض أُساعده، نظر إليّ قليلاً ثم قال: “ما بك يا فتى كالليمونةِ الجافة؟”

عقدتُ حاجباي على وصفه الغريب، لكنني هززتُ كتفي بعد أن وقفنا وبين يديه جميع ما أسقطه، أشرتُ إلى جيوبي الفارغة بصمتٍ ثم التفتُ عنه لابتعد، لكنه ما فتئ أن ناداني.

  • “ما رأيك أن تُساعدني إذاً؟ سأُعطيك عشرون ريالاً!”
  • “وبمَ ستُفيدني؟”
  • “يومٌ على يوم، أفضلُ من أن تنام وجيوبك فارغة”.

 

غمز لي، وفي قلبي شيءٌ من السُخرية والغيض، لكن لقلة العروضِ وفقري الناصع البياض، هربتُ إلى حيثِ هذه الريالات العشرون! ووافقت عوضاً عن أن أبقى فارغاً، مُتسكعاً في الطُرقات حتى يأتيَّ الله بالغنائم سأمضي معه وأنشد بعض الغِنى الفقير والذي يليقُ بي!

●●

  • “عمر، إنه يُضايقني!”
  • “عمر، سعيد هو من بدأ الشجار”
  • “عمر، فقط تمر ولبن؟ أريد بعض الشوربة مثل أصدقائي!”
  • “عمر، لقد وعدتني بنُزهة إلى البحر، فمتى ستكون؟”

 

تنهدتُ وأنا أُجيبهم: “دعوا عنكم الكلام، ولتُعجلوا في افطاركم فقد نادى مُناديَّ المغرب”

لقد كانت تنظرُ إليّ باسمةً، ولا أعلم سرُّ تلك الابتسامة فالوضع الذي كنتُ فيه يبدو لي أحمقاً، مُتخاذلاً، لكنني نظرتُ إليها ورددتُ لها الابتسامة الهادئة.

همست وأنا أقفُ لأذهب إلى المسجد: “بُني، حينما تعود، تعال حُجرتي، حسناً؟”

هززتُ رأسي موافقاً، وذهبتُ إلى الصلاة، المسجد، حيثُ أُلاقي الله، وأُكثر الدُعاء.

●●

  • “كيف حالك يا حبيبي؟”
  • “بخيرٍ تماماً أمي، لا تقلقي عليّ”
  • “أنى لي ألا أقلق، ويعتلي وجه ابني القلق والصُفرة؟ أنت حتى لا تأكل أبداً! هل يا تُرى تُفكر في التقليل من غذائك حتى يتبقى لنا الطعام لآخر رمضان؟”

 

توترت، لم أتوقع أن تفهم أمي ما أُفكر به، لكنني حاولتُ تغطية الأمر: “كلا أبداً، ومن ذا الذي يُفكر بهذه الطريقةِ البلهاء؟ ذهني مشغولٌ قليلاً فحسب”.

دققت عينيها فيّ، ثم قالت: “وتُفكر كيف تجلب لنا أشياءُ العيد الجديدة؟”

صُعقت، أماه! أنتِ تحذين حذواً خطيراً تجاهي! شعرتُ بالخطر، إنها تفهمني جيداً، تعلم ما يختلج في ذهني وقلبي، وما يُساورني ويُقلق منامي، وليس ذلك جديداً! يبدو وكأنها تعلم ذلك منذ زمن.

ترددتُ بعض الدقائق وأنا أنظرُ إليها، لكنني عزمتُ أمري ووقفت: “أمي، ما هذا الذي تقلقين بشأنه؟ ألا تثقين بي؟ ولا تعلمين ما أُجهزه لكم من مُفاجآت؟ انتظريني فحسب، انتظري هذا العيد، وسأخلقُ لكم ذكرياتٍ سعيدة ومميزة بل عيدٌ جديد!”

●●

مرت خمسُ أيامٍ منذُ عملي مع ذاك الرجل، مئة ريالٍ جمعت لم أصرف منه سنتاً واحداً حفاظاً عليها، وقد بقيّ على العيد عشر أيام، كم من المالِ أستطيع أن أجمع أيضاً؟ مئتين، إذاً سيكونُ معي ثلاثُ مئة ريالٍ بإذن الله حينها، بالتأكيد لن تكفي خمسُ أطفالٍ وأم في زمنٍ قد غليَّ كل شيء فباتت الحلوى الواحدة بمبلغٍ وقدره، ناهيك عن ملابس العيد للصغار ووالدتي، بالطبع لن أحسب نفسي معهم، دفع فاتورة الكهرباء للمنزل، وقد نحتاج منه الكثير للاحتياجات اليومية في بقية ايامِ رمضان! لذلك سأُحاول أن أجد عملاً آخر بالإضافةِ إلى هذا العمل، أرغبُ حقاً هذه المرة، أن أفيَّ بكل وعودي.

  • “هيّه، إلى أين وصلت؟”

 

التفتُ إلى العم أيمن، لقد سرحتُ طويلاً ونسيت عملي الجاري.

قال وهو يُرتب بعض المجلات والصُحف: “هل تُفكر بزيادةِ دخلك مثلاً؟”

من دهشتي تساقط الرفُ كاملاً بعد أن اصطدمتُ به فجلستُ على الأرضِ أجمعه كما حدث لهذا العم بأولِ لقاءٍ معه، وقد جاء الآن ليرفع معي وهو يُضاحكني ويقول: “أنت تقلق كثيراً، وتُفكر أكثر، وأريدُ منك أن تتوقف عن ذلك وتُركز على عملك، فلا تدري ما ينتظرك غداً”.

يبحثُ الناس فينا عما يُؤلمنا كي يُذكروننا فيه، فنزيدُ إصراراً في تذكر ما نتذكره دائماً ولا ننساه! أين النسيان؟ هل هُناك من لا يزال يُهرطق بأن النسيان لباسٌ نستطيع أن نرتديه حيثما كُنا وكيفما صرنا؟ أو أنه ذاك اللباس الذي يسترنا من الخارج، ولا نزالُ عُراةً من الداخل، حمقى في التسكع وتلويث أرديتنا (المتسخة)؟ ونحملُ تيك المظلات الفارغة إلا من عيدانِ أضاعت أشرعتها البهيجة! تباً للأحلام التي تجعلنا نهزلُ أمامها رُغم أن كل الأطعمة أمامنا راقصةً مُصنفة.

الانتظار يا سيدي؟ إنه ذاك الذي يأكلُ إخوتي الصغار في المنزل، وهو نفسه الذي ملئ بطونهم بالجوعِ، وغطى أجسادهم بالبردِ والارتجاف، هو ذلك الذي قد ملّ منهم وعشعش فيهم كنسيج العنكبوت الرقيق في سُمكه، القديم في هشاشته، الممتلئ غبرةً وقذارة، ورغم أنني خذلتهم مِراراً إلا أنهم ما زالوا .. يثقون بي، بل وينتظرونني!

●●

نظرتُ إلى المالِ بين يدي، لم يتبقى على العيد سوى خمسة أيام، ثم عدتُ للنظر من فتحةِ الباب على إخوتي وهم يلعبون، كانت الساعة الحادية عشر ليلاً، بعد عشر دقائق من الهدوء، استيقظ الماردُ الباكي بين أضلعِ شقيقتي الصُغرى سمر وهي تصرخُ مُعلنةً نفاذ الصبر، وقلة الحيلة مع بهرجة الدُنيا.

أمام البيت حديقة، بها بعضُ الأراجيح وبياع الحلوى وبعض المأكولات التي لم يذقها إخوتي منذ زمنٍ بعيد، أظنهم قد نسيو طعمها! ومع قُرب العيد أظن أن الحبل قد فُلت من بين أيديهم وقُطع عنهم.

عدتُ لتأمل المالِ ثانيةً وعزمتُ أمري، سيتكفلُ الله بالأرزاق ويُعوض الذاهب منها، إنني أعملُ لأجلهم، وكلها لهم، فلمَ أأُخرها عنهم؟ أخذتُ بعضاً منه، واتجهت إليهم مُعلناً ذهابنا في نُزهة، ردة فعلهم كانت أعظم مما توقعت!

ومن الخلف، كانت أُمي ترقبُنا، كعادتها مُبتسمةً، مُزهرة، في قلبي وعالمي بأسره.

●●

  • “ما هذا؟”
  • “إنه مالك”
  • “وهل تظنُني أبلهاً؟ لم يكن هذا ما اتفقنا عليه!”
  • “ماذا تحسبُني يا فتى؟ بنكٌ مُتنقل؟ إن رزقي يكون على إقبال الناس على بضاعتي، وما أُعطيك إياه ما هو إلا نسبتك من الربح!”
  • “المسلمون على شروطهم، وقد وعدتني أن تُعطني لكل يومٍ مبلغاً مُحدداً، لم تُشر إليّ أن ذلك سيتغير!”
  • “لقد تغير وانتهى الأمر، أغرب عن وجهي، الغدُ عيد ولستُ مُتفرغاً لك”

 

موجٌ عاتٍ ضرب وجهي حتى أسقطني، يا لفقر الإنسانية، لقد تفشت أمراض القلوبِ حتى بات أحدهم كالنعامةِ لا يسير إلا حيثُ يشاء، يدفن رأسه بالأرض فلا يرى حوائج غيره، أو ما للآخرين عنده، سُحقاً للأدب الذي تربيتُ عليه.

نظرتُ من حولي وأنا أسير، هُناك من الفاكهة الكثير مما تشتهيه والدتي، وفي الجهةِ المُقابلة العديد من الألعابِ والحلوى التي يُطالب بها إخوتي الصغار، أما أمامي مُباشرةً .. فهناك شيءٌ سيحِلُ كل أمري، قلبي يخفقُ بشدة، يا إلهي، أريدُ أن أأخذها جميعها، تلك النقود، تلك التي ستسرقُ كل أحزان عائلتي لتحشو قلوبهم بالسعادة والابتهاج، شعرتُ بالاختناق، ذلك فعلٌ مشين! أغمضتُ عيناي، والتفتُ عنها .. لكن، عاجلتني الأحلام، اختطفت مني ذلك الاحترام المزعوم، دفعت قدماي للعودة والسير باتجاهها، البائع ليس بجانبها، ولا أحد يُراقبني .. نظرتُ يميناً ويسار، إنني الوحيد الذي يُدرك إلى أين يتجه، ينتفضُ الفؤاد .. فهو يُدرك جيداً نواياه المشينة، تذكرت .. تذكرتُ أن الله يُراقبني وهو القادر على خسفي وكل حماقاتي الدنيوية، لكن الدنيا غلبتني وقدمت في قلبي ملمس ذلك المال فوقفتُ أمامه، في تلك اللحظة أغمضتُ عيناي بقوةٍ حتى شعرتُ بالألم والتفتُ عنها وأنا أُلقم يديّ جيبي حتى لا تعود إلى تلك النشوة الفاسدة.

لكن تلك الصرخة الحادة، سبقتني: “أيُها السارق اللعين”. من عجب القدر، أنه يبدو أن لصاً ما سبقني، تاركاً خلفه جريمته تلبسني!

●●

يا تُرى هل تمردت على نفسي؟ هل اغتررتُ بقوتي؟ أو أنني تطاولتُ على قدراتي! يا لي من غَرٍ عجولٍ، أحمق .. لقد تماديتُ كثيراً في أحلامي هذه المرة حتى بات عيدُ الذين أُحب كأنه مأتمٌ وبسببي.

  • “هيه، أيها السارق الصغير، هنا بعض الأطفالِ يرغبون برؤيتك”

 

أمسكتُ القضبان بشغف، وأنا أبحثُ عنهم: “أين؟ أين هم!”

  • “نحنُ هنا”

 

التفتُ بسرعةٍ وكأنني خشيتُ أن تُسرق هذه اللحظةُ مني إن لم انتهزها، نظرتُ إليهم، عددتهم واحداً واحداً، سمير، سعيد، سمر ومهند .. ملئتُ عينيَّ بهم، لقد مرّت ثلاثُ أيامِ العيد الأولى، وما زلتُ بالحبسِ لم أرهم، أعتقد بأنهم فُجعوا بالخبر، وماتت كل أحلامهم! همستُ بحسرة: “كيف حالُ أمي؟ وفرح الصغيرة؟”

ابتسم سمير الأكبرُ بينهم: “إنهم بخير، لا تقلق يا أخي”

سعيد بعينين دامعتين: “يقولون عنك سارق يا عمر، لكنني والله ما صدقتُ أحداً”

أمسكت القضبان سمر وهي تحتضن يدي وتبكي: “أخي ليس سارقاً، أخي هو الذي يُنقذني دائماً ويُعلمني التصرف الصحيح، ويوبخني على تصرُفاتي الخاطئة”.

مهند قال بأسلوبه الذي أُحب: “لا تجلب لي سيارة، ولا حلوى، لم أعد أريد شيئاً إن كان ذلك سيجعل الناس يظنون بك ما هو ليس فيك، أرجوك يا عمر عُد إلينا، نحن لا نريد عيداً من دونك!”

كنت اتنقل بنظراتي بينهم، وقلبي يختلج، إخوتي؟ أحقاً يُفكرون بهذه الطريقةِ الشفافة؟ أين كنت عنهم وكل همي جمع المال، وقلبي معميٌ عن حقيقة أحلامهم الرقيقة هذه؟

وبعد أن سرقوا كل أتعابي، رموها جانباً وغادروني، وقد خبئت سمر ورقةً صغيرة بين أصابعي وهي تضحك، تلك الضحكة التي تذكرني أنني ما زلتُ على قيدِ الحياة.

فتحتُ الورقة، وقد كانت بخطِ والدتي الحنون، والتي كُتب فيها ما أيقظ الـ عُمر الذي تنشده أمي في داخلي: [ عُد يا عيدنا لنكتمل بك ].

 

تمت بحمدِ الله

الاثنين 4:14 م

29 / 10 / 1435 هـ

وديعة فيصل .

– قصة العدد (177) من مجلة حياة للفتيات ضمن زاويتي #في_العتمة_ضوء ❤

[ مشروع اقرأ ] : لأنني أحبك ●

٢٠١٥٠٣٠٢_١٨٣٦٤٣-1

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف حالكم يا آل القُراء؟

أ ما زلتم تغزلون أحلامكم ضمن كتاب؟

تتراقص أعينكم مع تراقص السطور في ساعة النوم، بعد أن ولجتم شخص الكاتب، وقرأتم ما في جوفه؟

أما الآن، فها هو كتابٌ لذيذ أنهيتُ الغوص فيه، وأحببت مشاركتكم ببعضٍ من الكلمِ عنه.

[ لأنني أحبك ]

الكاتب: غيوم ميسو

ترجمة: محمد عثمان

التصنيف: رواية

دار النشر: سما للنشر

المركز الثقافي للنشر

●●

مُسبقاً رأيتُها مراراً بين الكتب بمكتبة جرير، لكن غلافها لم يُشجعني لاقتنائها، كما أن العنوان أوحى لي بكونها من النوع الروائي الرومنسي، لذلك لم أفكر بها، حتى قرأت رأياً لإحداهن في حساب بوكتشينو ضمن الصور ببرنامج الانستغرام، وكلمة (نهاية مذهلة) وغير متوقعة، رنت في فكري!

كيف يكون صنع النهايات المذهلة ممكناً؟ للقارئ الذي يضع عدة خياراتٍ في ذهنه فتأتي النهاية وتكسر كل توقعاته! منذ زمنٍ لم أجد ذلك متوفراً في الكتب التي قرأت. حسناً قررت شرائها، ورُغماً عن أنفِ الحماس الذي دبّ فيّ لم أجدها، تذكرتُ حينها قول أمي: “لما تبغي الشي ما تلاقينه، لكن لما ما تحتاجيه.. تلاقيه بوجهك دايماً” 🙂 لكن مع استمراري في الذهاب، وجدتها أخيراً.

حينما بدأت قراءتها لم يغب عني مدى الغموض والتلاعب الذي يُتقنه الكاتب، لقد كان يدور بك مع الأحداث.. ما بين الحاضر، الماضي، وشيئاً من الماضي القديم! ثم الحاضر البعيد، ويعاود الكرة.

هي قصة لعدة أشخاص ..

نيكول هاثواي، مارك هاثواي، وطفلتهما ليلى

وصديق مارك منذ الطفولة: كونور ماك كوي

إيفي هاربر، أليسون هاريسون

●●

الطفلة تختفي، يذهب الزوجان كلٌ منهما لحياةٍ باردة، أشدُ من الثلج، خاويةً جداً

يعيش كونور كما هي حياته إلا أن وميض الحماس فيها، شُعلة المشاركة، ورفيق عمله يختفي ويرفض العودة إلا مع طفلته.

إيفي.. تعيش الموت الذي يختطف والدتها بعد المرض، الخداع الذي عانته.. وعانت منه فيما بعد.

أليسون.. ضريبة الشهرة، وضياع الحياة بعد أن ضاعت مُسبقاًّ!

 

الرواية بدأت غامضة.. وكل ما توغلت بها تشابكت، لكن حينما تصل المنتصف تبدأ العُقد في التفكك، لذيذة جداً وفعلاً … ذات نهاية مذهلة وفاتنة!

أكثر ما أعجبني فيها ذكريات مارك وكونور في الطفولة، رغم ما حدث فيها من جنونٍ ووجع إلا أنها كانت دافئة ()

أحببتُ أيضاً تلك الومضات في بدءِ كل فصل، من أقوالٌ مؤثرة من كُتابٍ مُخضرمين.

●●

اقتباساتي:

– “على المرء أن يبقى على قيد الحياة بقدر ما يستطيع”

– “كان يكره لوس أنجلوس، تلوثها، مظهرها الخارجي وقسوتها. لطالما أعطته هذه المدينة المهولة الانطباع بأنها تبتلع كل شيء في طريقها: الطبيعة كما البشر”

– “في الحياة، الأشياء التي تمتلك أعلى قيمة هي الأشياء التي لا قيمة لها”

– “يجب علينا أن لا نبالغ في حماية أنفسنا وإلا فإننا سنفقد الإحساس بكل شيء. وسيتجمد قلبنا، ولن نعدو حينها كوننا أمواتاً على قيدِ الحياة”

– “ولما أثار الكتاب إعجابه، ألزم نفسه ألا يقرأ منه سوى فصل واحد كل مساء، وذلك لكي يطيل متعته”

– “للمرة الأولى في وجودهما، يتبين أن العلاقات الإنسانية لا تتشكل من دون قوة. وسيجد كل منهما في الآخر الأمن العاطفي، الثقة والقوة. الثقة بمقدرتنا المستمرة على الاعتماد على شخصٍ ما، مهما حدث. القوة في أن لا ندع أنفسنا ندمر أبداً”

– “إذا تخلينا عن قيمنا، نكون قد تخلينا عن كل شيء”

– “كان يشعر بأنه وهو يترك نفسه على سجيتها، قد تحرر”

●●

القصة تحمل من القيم والمعاني الجميلة الكثير في قالب مُمتع وعميق.

أُعطيها 9/10 .

 

أحلامٌ هشة

.
.

قصة عدد (172) – بزاويتي: في العتمة ضوء – من: مجلة حياة للفتيات

12995296091

الأحلام الوردية ..
الألوان الزهرية ..
القلب، الروح، العاطفة
بين يديَّ كنت أحمل كل ذلك، تستطيع أن تُشبهني بحامل الكأس المُمتلئة، وذاك القلق يعتريني من أن تُسكب قطراتٌ منه على الأرض، أسيرُ بجميع آمالي التي تُصبُ في هذا الكأس، ظننتُني سأُصبح أميرةً، عزيزةً .. بمُجرد أن أتجرعه!
كالمظلة التي حملتُها معي، بين الرياح الشديدة، والأمطار القوية التي كانت تُزعزِعُني في معيشتي وبين الناس، أقفُ بكلِ كبرياءٍ مزعوم، راميةً بكل طموحي على ذلك الذي سيأتي لإنقاذي.. هو الفارس؟ نعم، لا تهزأ بأحلامي، هو ذاته الفارس الذي يمدُ يده إليّ ولا يفلتني أبداً، ويمنحني مظلةً أكثر جودةً وسعة.
آه، لقد حلمتُ طويلاً حتى جاء ذلك اليوم، وخطوتُ بهِ إلى مملكتي الخاصة، الكاملةً بنظري حين ذاك، السعيدة جداً حينما أمسكتُ بالفرشاةِ لأرسُمها، وموطنٌ النجاح الذي لطالما حلمتُ بالسُكنى على أرضهِ، ذلك الحُب الذي انتظرته طويلاً، والمروجِ الخضراء البهيجة التي تقتُ للسيرِ فيها. فإنني فاشلةً دائماً في تحقيقِ أحلامي، إلا هذا الحلم .. أعتقد أنني جيدةً حينما سعيتُ إليه.
●●●
– “لا تجعلي ثقتك بالناس عمياء، ولا تتخيليهم ملائكةً فتنهارُ أحلامك”.
– “إذاً .. فأنا المُخطئة؟”
– “وكيف لم تُخطئي يا سمر وقد جعلتِ كُلُ أحلامكِ مُحققةً حين الالتقاءِ فقط بفهد؟ والآن بعد اكتشافكِ هشاشةِ هذا الحلم، عليكِ أن تُصححي طريقتكِ في الحياة”.
أزعجني حديثها، لقد شعرتُ بصدقها، لكنني استئت من نقدها عليّ، فأنهيتُ حديثي معها سريعاً:
– “أشكُركِ هُدى على المُكالمة السعيدة هذه! والآن يجبُ أن أُكمل إعداد الغداء المعذرة، إلى اللقاء”
أغلقتُ الهاتف قبل أن تتحدث، وأغمضتُ عينيَّ في مُحاولةً فاشلة لتهدئة غضبي .. لكن كيف ذاك يكون وعبارتها تترددُ في رأسي وترتدُ على حافةِ أفكاري إلى الداخل لتعود إلى المُنتصف مُشغلةً جميع أركاني “لا تجعلي ثقتك بالناس عمياء، ولا تتخيليهم ملائكةً فتنهار أحلامك”.
هززتُ رأسي بقوة علّ الكلمات تهتز وتسقطُ كورقاتِ الخريفِ الذابلة، ولا تطرُقني مُجدداً، لكنها عصيةً قوية الجذورِ ومن تكونُ هُدى هذه كي تُؤثر بي هذا التأثير؟ صديقة! مُجرد صديقــــة! تباً للصداقة والعلاقات والحُب والزواج والعائلة!
عدتُ للمطبخ مُشغلةً نفسي كما يُطلب مني .. أكنس، أُغسل، أُنظف .. وأطبخ، يقولُ زوجي: المرأة للمنزل فقط! ما الذي غيّره؟ قبل أن نستوطِن عُشنا الزوجي أخبرني بأنه سيُحقق جميع أحلامي! تحدثنا مطولاً في هذا الأمر حتى أنني كتبتُ له قائمةً طويلةً لا تنتهي بعد أن شجعني هو على ذلك .. تلك القائمة التي تحوي الكثير الكثير من أحلامي .. مزقها أمام عينيّ بعد شهرٍ واحدٍ من زواجي به، وهو يقولُ بسُخرية: وهل سأُحقق كل هذا لأجلكِ؟
بعد شهرٍ واحدٍ فقط .. ماتت كُل أحلامي بين يديه.
●●●
– “أيتُها البلهاء!”
آهٍ، لماذا أغضب؟ فقد أعتدتُ السباب والتنقيص! لم أعد أحزن أو حتى أنزعج! لم يفعل زوجي من أمرٍ جديد، فعائلتي أيضاً لها اليد الأولى في اعتصارِ قلبي، وتضييق أحلامي حتى هربتُ بها إلى هذا العش ثم صُدمتُ بهشاشته، وفقرِ الاستقرارِ عليه.
وكأنني ورقة هربت من الأغصان المُتشابكة والخانقة .. إلى الأرضِ الباردة والجرداء!
– “ألا تسمعين؟ اذهبي واحضري كأساً أُخرى”
التفتُ إليه، صُراخه لا يُخيفُني .. فحينما تعتاد على شيء يُصبح من الأشياء الروتينية لديك والعادية جداً، ابتسمت وأنا أهُزُ كتفيَّ: “احضر بنفسك ما تُريد”.
في الكلمةِ الأخيرة لا بل قبل أن أُغلق فاهي منها .. كان جسدي يهتزُ حتى كاد يفقد توازُنه، من يدهِ التي طاشت نحو خدي بقوتهِ الهائلة.
تماسكتُ وتوازنت … لملمتُ قلبي وأنا أُهدئ نفسي بكل ما أملك من طاقة، أغلقتُ عينيّ بقوة .. فؤادي يشتعل بعد أن تحطم! نظرتُ إليه بصدمة.. لكنني حينها رأيتُ الصدمة أكبر في عينيه وهو يتردد في قولِ شيءٍ ما، رُبما اعتذار؟ هه، إنه أبعد ما يكون أن يخرج من هذا الشخص شيئاً كهذا، وهل سيُمحي الاعتذار أثر الصفعة في قلبي؟ لقد فقدتُ الرغبة بسماعِ شيءٍ منه، حتى يده التي كانت مقبوضةً بقوة وهي ترتعش، لم أعرها اهتماماً بل تراجعت خائفةً مستوحشة .. إلى أن استطعت جرّ نفسي خارجاً، مُحتفظةً بالبقايا من كبريائي .. إنه رجل، لو بقيت .. سوف يُحطم كل ما تبقى مني، وينثُرني كتلك الوريقات نفسُها للخريفِ الضائع.
أُدرك جيداً بأنني لم أُحقق له أغلى اُمنياته، والتي أُشاركه فيها.. لكن الأمر خارج إرادتي!
فهد.. أنا آسفة لي أولاً، ثم لك، رُغم أنك لا تستحق الأسف.
●●●
هو مُجدداً، يستفِزُ مشاعري في أحلامي التي ضاعت من قبل، فهو كما يبدو .. يدفعُني إلى إهمالِها مُجدداً وإضاعتها للمرةِ المئة، كان يهمس:
– “لقد تزوجت حمقاءٌ كالنخلِ العقيم، لا تنفعُ لشيءٍ ولا يُنتفع منها!”
ثم رفع صوته: “كم أكره وجودكِ!”
أغلقتُ أُذنيَّ، لكن .. صوته ما زال يصلني! يا إلهي، كم أنا سيئة الحظِ، بل نخلٌ عقيم؟ أعلم جيداً بأن عدم إنجاب طفل أمرٌ يُنقص من المرأة في نظر غالبية الرجال، والحرمان من الشعور بالأبوة قاسٍ لأيِّ رجل، لكنه أشدُ قسوةً ومرارةً للمرأة، ما يُشبع عاطفة الأمومة غير الإنجاب؟ وما يُعوضها عن الحرمان من سماع نداء “ماما”! لكن قومي لا يعلمون. أُدرك جيداً أن فهد يُخرج الحرقة التي تعتلي قلبه فيّ، لكنه لم يُفكر أن الحرقة في قلبي أعمق وأشدُ حرارةً ووجع.
إنه نداءه، هذه المرة كان صوته أكثر هدوءً من المرةِ الماضية، وفيه شيئاً لم أفهمه، أهو يُحاول نثر بعض الماء على التُربةِ الجافة؟ أن يُسقي ورداً بعد ذبوله! أمرٌ لا يُعقل.
ركضتُ باحثةً عن مكانٍ لا يصلني فيه صوته، ولا يجدني بعدها. مكانٍ يحميني منه، ومن الآخرين، وحتى من نفسي التي بتُ أكرهها. كنتُ أتمنى .. بشدة أن أنفصل عنه، لكن قلبي يأبى ذلك وبشدة، أظنه قد وقع فريسةً لهذا الفهد، رُغماً عن أنفِ هذا الذُل، بربك يا قلبي، ما الذي تُحاول فعله بي!
أخذت أدورُ بين الزوايا الواسعة وأصعد الدرج، كان البيت كالقصر! لقد أسكنني أجمل الأماكن، وأدفئها .. لكنه لم يجتهد (ذاتياً) ليُسعدني، ولم يُدفئ قلبي على الإطلاق. وجدتُها أخيراً .. الغُرفة المهجورة والبعيدة، قررتُ المكُوثَ بداخلها إلى أن يهدأ غضبه وينسى وجودي.
فور دخولي لها سعلت، فالأغبرة مُتراكمةً في الداخل بسبب الإقصاء الذي حُكم عليها منذُ سنوات، حتى أن من يدخُل إليها يشعرُ وكأنه منفيٌّ عن بلده! كيف أصِفُها؟ مُقفرةً جرداء، ثلجيةً جافة .. وكأنهم بخلوا عن تزيينها حينما تم تزيين غُرف المنزل .. حتى جُدرانها كانت رماديةً باهتة، وكأنها تحكي قصةَ يتيمٍ يموت تحت المطر، ولا خبر ولا علمٍ يؤكد وجوده! من الناحية الجانبية هُناك شُرفة مغلقة أمامها كُرسيٌّ وطاولة يبدوان من العصورِ القديمة، أما عن محتوى الغُرفة فهي لا تحتوي إلا على رفوفٍ كثيرة تتشبعُ من الكتب المختلفة، منها الكبير والصغير، العريض والرفيع! سرتُ إلى الشُرفة وفتحتها بصعوبة، سعلتُ مُجدداً فحينما فتحتها غشاني بعض الغُبار .. لكن المنظر الذي أمامها فاجئني! كانت مزرعةً تنبِضُ بالحياة، أشجارٍ كثيفة ونخيل، عُشبٍ أخضر وأزهار الفُل، ياه! هل لهذا المنزل من حديقةٍ خلفية؟ لمَ هي مهجورةً هكذا! آه، لقد نسيت من يملك ليس كمن لا يملك! فالقليلُ ممن يملك يشعرُ بنعمةِ ما يملكه.
امسكتُ خرقةً مُبللة، وبدأتُ في تنظيفِ هذه الغرفة فما جذبني إليها ليس بالقليل! سقط كتاباً ما فجذبني الفضول إليه وفتحتُ بعض صفحاته؛ كانت العبارة الأولى التي أضاءت لي أفاقاً جديدة لم أتخيل قط أن أعيشها!
كانت العبارة الأولى .. التي جعلتني أُمسكُ كتاباً لأقرأه!
كانت تقول:
(النفس هي الوطن الذي نحمله معنا ولا يُغادرنا إلا عندما نُغادره)
يا تُرى ..
هل خنتُ نفسي؟
●●●
(النجاح 99% جهد، 1% ذكاء)
لم أتوقف عند تلك العبارة، بل ظللتُ أقرأ، وها أنا أتوقفُ مُجدداً، كان الكتاب يهتزُ بين يدي .. حتى وصلتُ إليها فثبتت نظرتي وارتكزت السطورُ أمام عينيّ، العصافير زاد ضجيجُها، فقد أشرقَ الصباح، وتلونت السماء بالزُرقةِ الفاتنة. وها أنا أُكمل الصباح الثلاثون، مع هذه الكتب، وفي هذه الحُجرة، والتي كنتُ ألازِمُها صباح مساء، في هذا الشهرِ أنجزتُ ما لم أُنجِزهُ في خمساً وعشرون سنة! في هذا الشهرِ فقط اكتشفتُ من أنا؟ وما يجِبُ عليه أن أكون، وفي هذه الثلاثين يوماً .. حددتُ أحلاماً جديدة سأُشيدُها بيديّ وقلبي حتى أنني بدأتُ في بعضها. الآن أستطيعُ القول .. لم أعد صفراً، ولا من النخلِ العقيم.
تابعت القراءة: (لقد فشل أديسون مئات المرات قبل أن يكتشف ضوء المصباح الكهربائي، كما أن هنري فورد أصيب بالإفلاس خمس مرات قبل أن ينجح في اختراع سيارته، ولقد تم رفض كولونيل ساندرز من قبل أكثر من ألف مطعم، قبل أن يزدهر بوجبة كنتاكي الشهيرة، ولقد سطر لنا التاريخ بأحرف من ذهب نماذج مشرقه لصنّاع النجاح وروّاده)
أغلقتُ عينيّ وأنا أتحدثُ إلى نفسي: النجاح حُلمٌ هذيتُ به منذُ الصغر وإلى وقتٍ قريب، لم أذُق سوى علقم الفشل، يا تُرى .. الآن ما الذي ينتظرني؟
– “سمر”
تركتُ الكتاب جانباً، وخرجتُ إليه .. إنه يُناديني .. يسرقني من عالمي المُفضل، لا بل يسرقه مني!
– “ما الذي يجعلكِ تقطنين تلك الشرفة وحيدةً”؟
– “كنتُ أقرأ”
– “تقرئين! وبما ستنفعكِ تلك الكتب المُتعفنة”؟
اتجهتُ إلى العمل المُخصص للمرأة، والتي (بنظره) قد خُلقتُ لأجله!
مثل غيره تماماً، كثيراً ما كان يحول النصوص .. إلى ما يرغبه هو! “ناقصاتِ عقلٍ ودين” يكررها على مسمعي، يُهرطق بها وكأنه يُدرك معناها جيداً، لكن قومي لا يعلمون .. لا يعرفون الحد الذي لا تتوقفُ عنده رحمة الله، وعظمة المعنى الإسلامي لأيَّ نصٍ فيه، مساكين! لم يصلون بعد إلى الارتقاء الذي يُؤهلهم للنظر في الحد الفاصل بين العلمِ والجهل.
ضحكتُ سُخريةً على نفسي، فأنا مثلهم! لم أفهم هذه المعاني سُوى الآن، وبتُ أُمثل دور العالِمَ الفاهم!
حقاً، كنتُ أحسبُ بأنني أعرفُ كل شيء، وقد نسيتُ .. أنه ليسَ أن تعرِفُ شيئاً، مثل أن تعلمه، تُدركه وتلمسه، فأنت لن تستطيع الوصول إلى الوجهة التي تُريدُها بمعرفة اسمها فحسب!
رفعتُ رأسي، وتأملتُ السقف ..
لا أسمحُ لأيِّ كان بأن يُعيدُني إلى الماضي، لكن النظرات، والرغبات من حولي؛ لا تدعني أتقدم! تضخُ فيَّ الإحباط وكأيِّ بشرٍ ضعيف .. تُراودُني نفسي أن استكنَّ مكاني ولا أتحرك، أن أبقى في الخلفِ على هيئةِ شخصٍ (مظلوم)!
لكن .. كلا، كلا، وكلا .. لن أعود إلى تلك الهيئة! لن أرجع إلى كوني شخصاً مظلوماً ومسكين، إنني وبعد ذاك الطريق نزعتُ عني لباس التراجعِ أو أن أخلع نفسي عني!
وضعتُ الشاي أمامه ثم ابتسمت: “تفضل”.
تأملني قليلاً، وعلى وجهه نظرةٌ غريبة، همس: “منذُ دخلتِ تلك الغُرفة وقد تحولتِ إلى شخصٍ آخر، هادِئٌ مُطمئن للغاية!”
ضحكت: “هل يُزعجك ذلك؟”
تأملني هذه المرة طويلاً، ثم عاد إلى التلفاز وهو يقول مُتردداً: “لا يُهمني .. الأمر”.
صمت، لا أستطيع الحديث معه! فقد بات شخصاً غريباً في تصرفاته معي، منذُ تغيرتُ أنا، بدأتُ أجد فيهِ تغيراً بطيئاً .. شيئاً فشيئاً حتى بات هادئاً للغاية، ما الأمر؟ لا أعلمُ حقاً ما الذي دهاه! لكن في الحقيقة ذلك يُسعدني.
جلستُ قليلاً معه .. لكن الجو البارد بيننا وترني، فتركته وعدتُ إلى حُجرتيَّ الخاصة، وشُرفتي الصديقة .. فتحتُ كتابي الأخير، الموضوع على الطاولة، ما زال أمامي الكثير كي أُنهي هذه المكتبة! نعم لقد عاهدتُ نفسي بأنني إن أحيانيّ الله إلى المدى الكافي فإنني سأقرأُ جميع هذه الكتب ثم سأصنع لي مكتبةً جديدة من كتبٍ تحمل اسمي أنا!
رغم أنني ومن فرطِ حماسي قد كتبت مفكرةٍ ما وعلى وشك أن أُنهيها خلال الأيام القادمة، لدي بعض الخبرات السابقة أيضاً فقد كنتُ أكتب بعض الأشياء الجميلة.
وما زلتُ أُذكر نفسي؛ النجاح لا يحتاجُ إلى ذكاءٍ ولا فطنة، فقد اجتهاد وَ {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} حقاً فالتوكلُ على اللهِ قبل كُلِ شيء كالجسر المؤدي للتوفيق.
●●●
– “وتنامين هُنا أيضاً!”
فتحتُ عينيَّ على صوتهِ وطرقاتهِ على كتفي، فالتفتُ إليه مُتسائلة، وقد بدا مُنزعجاً وهو يقول: “أهلكِ بالأسفل ينتظرون”.
عقدتُ حاجبايّ متعجبة: “غريب، لمَ يأتون من غيرِ اتصال؟”
– “وما أدراني!” قالها وهو يخرُج من الغرفة، فتبعته.
بعد أن سلمتُ عليهم وجلست، انتبهتُ إلى نظراتِ والدتي المُـتفحصة، حتى جاء سؤال أخي المُفاجئ: “أرأيتِ يا أُمي إنها بخيرٍ، وكالحصان، لا حاجة لقلقك”
التفتُ إلى أُمي .. أكانت قلقةً عليّ؟
حركت نظارتها الطبية ثم قالت: “ما لكِ إذاً متجنبةً عائلتكِ منذُ شهرٍ وأكثر؟ لم تتصلين كعادتكِ”
– “آه” ضحكتُ مُحرجةً ثم تابعت: “أعتذر يا أُمي فقد التهيتُ كثيراً”.
– “ابنتكِ يا عمة باتت دودة كُتبٍ نهمة لا تشبع من القراءةِ أبداً، حتى أنها تصحوا وتنام في مكتبتها العزيزة”.
التفتنا جميعاً إلى الخلف، لقد جاء زوجي فهد، لا أدري لِمَ، لكن أشعر أنه يُحاول التحذلق أمامي!
تجاهلته، لم تستمر الزيارة طويلاً حتى رحلوا قبل أن تنظر إليّ والدتي تلك النظرة، التي تُخبئ خلفها تساؤلٌ أعرِفه جيداً، ولا أرغب بسماعه أو محاولة الإجابة عليه، فليس لدي أيُ إجابة، وقد شعرتُ بالامتنانِ لأنها لم تفعل ذلك، رُغم جفاء عائلتي إلا أنها تعتبرني فرداً منها، تخشى وتقلق عليّ إن اختفيت، يُقابلون وجودي، اتصالاتي بالتذمر، لكن يبدو أن قلوبهم تُخفي أشياء أُخرى في داخلها نحوي! من العجيب أن ابنُ آدم ينطق بما لا يعني، ويتحدث بعكس ما يُخفيه بقلبه، لمَ يفعل ذلك؟ هل الصراحة صعبةً إلى هذا الحد؟ أم أن من الأناقة و(الاتيكيت) عدم إظهار المشاعر؟
توجهتُ إلى البحث في بعض الكتب، هل سأجد جواباً كعادتي، يُشفي تساؤلاتي؟ أم أنها ستبقى على الرصيف جائعةً بلا طعامٍ يرويها! مرَت الساعات، حتى أغلقتُ الكتب وفتحتُ دفتر مُلاحظاتي وكتبت: (ليس من الضروري أن يكون كلامي مقبولا، لكن من الضروري ان يكون صادقاً).
●●●
سمعتُ صوت الجرس يرِنُ بلا توقف، يا إلهي.. إنه الفجر! من الذي يأتي في مثلِ هذا الوقت؟ وزوجي غيرُ موجود! لقد أخبرني بأن لديه رحلة، سيتغيب على إثرها عدة أيام، شعرتُ بتأنيب الضمير، فإنني لم أتصل عليه منذُ غادر.
تساءلت: أليسَ الطارِقَ فهد؟ رُبما عاد، لكنه يملك مفتاحاً!
سمعتُ الباب يُفتح فركضتُ للدرج أنظرُ بقلق، إذاً هو! لمَ طرق الجرس أولاً إذاً؟
لكن الذي دخل كان أخي! نزلتُ بسرعه، كان يدفُ عربية … شهقت مُمسكةً فمي، لقد كان يجلسُ عليها زوجي فهد.
بِبُطءٍ وحُزن استقبلتُ الخبر ووضع فهد الجديد، لقد تعرض لحادثٍ قاسٍ، كُسرت فيه ساقه اليُمنى وتأذت رُكبته اليُسرى، ورقبته قليلاً .. الحمدُ لله على كُلِ حالٍ فمن البلاءِ رحمة، استرجعت “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
لكن العجيب في الأمر، ما حدث! فحينما أراد أخي معاونة فهد وإيصاله إلى غُرفةِ النوم، أشار إليه فهد أن يوصله إلى .. الغُرفة المهجورة من قِبله! غُرفة المكتبة.
ضحك أخي وهو يقول: “أتمزحُ معي؟ كيف سترتاح!”
– “إنني جاد، لو أدخلتني الغُرفة لن أستطيع الخروج منها إلا بصعوبة! لقد قررتُ منذُ وهلة، أن أكتسح عالمها الخاص”,
– “هاه؟ من؟ سمر!”
– “ومن غيرها؟”
ضحك أخي مُتعجباً، لكنه في النهاية انصاع لعنادِ فهد، وبين دهشتي ووقوفي المُتعجب، نقل بعض المراتب وأريكةً مُريحة إلى المكتبة، وساعده على دخولها، حتى استقر عند الشُرفة، نظرتُ إليه مُتسائلة عما يجري وهمست:
– “فهد، أنا لا أفهمُ شيئاً، لا أدري بمَ تُفكر! كيف ترغب بالمكوثِ هُنا وأنت كُنت تكره هذه الحُجرة!! أنا فعلاً لا أفهمك”
– “لا تُفكري كثيراً، أنتِ تستمتعين هُنا، أليسَ كذلك؟ أرغبُ بهذا أيضاً”.
تأملته وهو يبتسمُ لي بعُمق .. كان يتحدث بِلُطفٍ لم أعهده عليه! حقاً يومي هذا غريب بقدرِ ما فُجعت فيه، شعرتُ بمشاعر دافئة.
●●●
حينما تتحول الرغبة إلى مسرحٍ يُمنحنا أدواراً سيكولوجية، ونجاحٍ يرفعُ الأيدي عالياً نشوةً للانتصار، لا نكتفي بالدورِ فحسب! فالرغبة عادةً ما تكون البداية، والخطوة الأولى.
شعرتُ بقشعريرة، فأعدتُ قراءة النص، والذي كان في صحيفةِ مكة – التوعية بالبلاء:
“اكتشفت مرض الجنف منذ طفولتها، وكان ذلك بسبب إعاقتها الحركية بمرض الضمور العضلي، مما جعلها مُقعدة، لا تتحرك كثيراً، ولا تستطيع الارتياح كما يفعلُ الآخرون، مع ذلك منحها المرض دافعا لتوعية المرضى وتخفيف معاناتهم. ولم تقف عند هذا الحد، بل واصلت تعليمها في جامعة طيبة تخصص تربية خاصة وبمساعدة ودعم صديقاتها أنشأت فريقا تطوعيا جعل من الألم أملا واختار شعاره ليكون «الجنف حياة»، وهو صوت المرضى ورسالتهم للمجتمع وللأطباء، حتى لقبت بسفيرة الإرادة وسيدة المسرح.
وقد عملت على توصيل وترجمة الفكرة المضادة للألم، وعلى توعية الآخرين لتجنُب الوقوع في مضاعفات المرض، ودعم من أصابهم وتعليمهم كيفية التعامل معه، فكانت حملة (ليشتد قوامُكْ) أول فعالية يُنظمها فريق «الجنف حياة» في جامعة طيبة، المُبادرة الأولى من نوعها.
وخلال طرحها لتجربتها مع الجنف على مسرح جامعة طيبة ذكرت خديجة أن «الاعتراف بالمرض ليس ضعفا أو خجلا، بل هو قوّة ودعم لأخواتي المصابات وأهاليهن، وأن هناك من يتألم مثلكن ويعيش نفس ظروفكن، لكن باستطاعتنا أن نتغلّب على آلامنا ونُبدِع بتوكلنا على الله وإرادتنا، ولا نجعله عائقا يُعيقنا عن تحقيق أهدافنا».
خديجــة الجويبــر.”
كانت لديها من المعوقات الكفيلة بجعلها ترضخ بالفشلِ ولا تُعاب عليه، لكن.. أنا ما لدي من عُذرٍ كي أيأس من نجاحي؟ هي تبدو للعيانِ وكأنها لا تستطيع فعل شيء! لكنها فعلت الكثير، أكثر من الحد الذي يتصوره الآخرون، بل استحقت أن تكون ملكة! بالقدر الأكثر من كافٍ، كيف يُجاهد الإنسان نفسه والعالم في نفس الوقت؟ بل ويُحاول إصلاح هذا العالم الغير قابل للإصلاح في نظر الغالبية!
علقتُ المقال الذي كُتب فيه عنها على الحائط بجانبِ الشُرفة، لكي يُذكرني حينما أنسى أو أتقاعس، عما ينتظرني بعد أن أبذُل جهدي وأزرع بذوري.
– “سمر”
أوه لقد أتى وقفتُ لِأُحييه، لله الحمد لقد شُفي تماماً، لم يبقى سوى أن تعود مرونة ساقه فقد بقيت لأكثرِ من شهرٍ ملفوفةً بالجبس، لا أدري كيف حدث ذلك، لكن فهد ليس فهد السابق، وكأنه قد تبدل! قال لي مرةً: حينما يتغير الشخص، سيتغير من حوله، ويتغير حتى عالمه!
بالفعل كما يقول الله جل في علاه: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ }.
بعد أن جلس أخرج من جيبه ورقة: “أترين هذه الورقة يا سمر؟ فيها بعضٌ من نجاحكِ في الحياةِ يا عزيزتي”
تعجبت عن أمرها فمددتُ يدي وأخذتها، فتحتُها والفضولُ يغشى داخلي ويُحيرني على الاستعجال.
– “لا تجعلي حماسكِ يُمزق الورقة”
قال ذلك وهو يضحك، فنظرتُ إليه بتهديد ومن ثم عدتُ للقراءة، فتحتُ عينيَّ بقوة: “ماذا! إنه خطابٌ مِن دارُ نشرٍ تُخبرني فيه بقبولِ مُؤلفتي!”.
نظرتُ إلى فهد: “أيُ مؤلفة!”
رفع إلي حزمةً من الورق .. أحفظُها كاسمي! ذلك الورق الذي سرق مني نومي وطعامي ووهبني الكثير من المُتعة والمغامرة! لكنني لم أُريهِ لأحد! كيف علم به فهد؟ وهل قرأها جميعها لكي يُرسلها نيابةً عني إلى دارِ نشرٍ ويُفاجئني؟ أحقاً هو الفهد نفسه الذي تزوجت!
ضحك: “لا تنظري إليّ هكذا وكأنني شبح”
نظرتُ إلى الخطابِ مُجدداً وقلبي يرتعشُ سعادةً: “لكنني لم أتصور أن .. أنا حقاً لا أعرف كيف….”
نزلت دمعتي وأنا أقول: “فهد .. كيف أُجيبك”؟
ابتسم لي وهو يُمسك يديّ: “لا تقولي شيئاً، وامسحي دمعكِ، ألم تجتهدين وأنتِ تنشُدين النجاح، الآن يحقُ لكِ الفرح، وهي البداية فقط”.
ابتسمتُ بامتنان: “فهد .. أنت في قلبي النجاحُ الأكبر”.

تمت بحمد الله
4 / 7 / 1435 هـ
الساعة: 3,28 ص
وديعة فيصل .